هناك شيء غريب في الطريقة التي يتحدث بها البعض عن الموت وكأنه مجرد تفصيل عابر. وكأن المسألة لا تعنيهم حقا. ربما يكون ذلك نوعا من التباهي بعدم الاكتراث، أو مجرد محاولة أنيقة لترويض القلق.
الموت، في النهاية، مثل رسالة غير مقروءة في البريد الوارد، نعلم أنها ستفتح يوما ما، لكننا نفضل تأجيلها لأطول وقت ممكن. وكما قال وودي آلن ذات مرة: “لا أهتم بالموت، أنا فقط لا أريد أن أكون هناك عندما يحدث.” شخصيا؟ أستطيع أن أصدق هذه اللامبالاة. لكن، وكما هو الحال مع كل شيء، ليس تماما.

ولكن المشكلة لا تقتصر على الموت أو على القضايا الوجودية الكبرى، بل إن هناك مشكلة كبرى في كل ما يحدث قبل ذلك، في الوقت الذي نقضيه ونحن “نهتم” ثم نكتشف لاحقا أن اهتمامنا لم يُحدث فرقا، أو أنه كان مجرد موضة فكرية، أو أسوأ من ذلك: أنه لم يكن اهتماما حقيقيا، بل مجرد عادة سيئة مثل قضم الأظافر أو تحديث تطبيق “اكس” بلا سبب.
بل أعتقد أن كلام وودي آلن يلخص علاقتنا بالاهتمام نفسه. نحن لا نهتم فعليا بكل هذه الضوضاء، لكننا لا نريد أن نُستثنى منها. نلقي نظرة، نشارك، نغضب قليلا، ثم ننسحب، ونواصل يومنا كما لو أننا لم نحرك ساكنا. الاهتمام في عصرنا هذا هو نوع من الموت البطيء: كلما خضنا أكثر في الأحداث، كلما استُنزفنا عاطفيا وفكريا، فنحن نتصور أنفسنا مثل شخصية أوسكار في رواية “طبل الصفيح” لنا صراخ يكسر الزجاج وطبل يغني عن الكلام، ولكننا في الحقيقة نصرخ في الفراغ، مقتنعين أننا نخوض ثورة، بينما العالم يمضي في طريقه غير مكترث بما نفعل، ولا مصغ لقرعنا على طبل الكلام!

لكن، ما الذي يجعلنا نصاب بالسأم من الاهتمام؟
أهو إدراكنا المتأخر أننا في النهاية مجرد أصوات أخرى في جوقةٍ تعزف نفس اللحن الذي عزفه الآلاف قبلنا؟ أم هو ذاك الإحساس الدفين بأننا في الحقيقة لا نملك رفاهية عدم الاكتراث، لكننا نحاول جاهدين التظاهر بالعكس؟
كل شيء مهم، لكن لا شيء يستحق عناء الاهتمام الكامل
السياسة، الإعلام، الحروب، الأزمات، الانهيارات الاقتصادية، الاحتجاجات، كلها تأخذ مكانها في المشهد، تلمع للحظة، ثم يطويها النسيان كما يطوي الليل مشهدا على مسرح فارغ.
في كل مرة نجد أنفسنا متحمسين لموضوعٍ جديد، متفاعلين مع تريند غاضب، متورطين في سجالات فكرية، نشعر وكأننا نُسحب داخل مقطوعة موسيقية مُعقدة، لكن الحقيقة؟ نحن مجرد آلات إيقاعية في سمفونية ضخمة لا نتحكم فيها.
خذ مثلا “La Valse” لرافيل، تلك القطعة التي تبدأ كرقصة أنيقة، ثم تتسارع بشكل غير مفهوم، يختل توازنها، ثم تنهار على ذاتها في النهاية كمنظومة سياسية فقدت السيطرة على ما أطلقته من قوى.
هكذا هو اهتمامنا بالقضايا الكبرى:
- نبدأ برقصة منظمة، مقتنعين أننا نتحكم بالإيقاع.
- ثم يدخل اللحن في فوضى متصاعدة، تصبح الأمور مرهقة، متشابكة، تفقد وضوحها.
- في النهاية، ننسحب ونترك الأمر للتريند القادم، تماما كما تنتهي “لا فالس” بانفجار درامي، تاركة المستمع مرتبكا، غير متأكد مما حدث بالضبط.
الخيبة الخاصة أهم من الخيبة العامة
في مقال قمتُ بكتابته قبل تسع سنوات قلتُ جملةً أظنها لا تزال صالحة: “إنّ خيباتنا الفردية بكل صدق أكبر من خيباتنا العامة”.
أليس هذا ما نراه في أفلام بازوليني عندما يصوّر أفلامه عن المعذبين، المنفيين، المهمشين، وحيث يبدو العالم السياسي والاجتماعي مجرد خلفيةٍ باهتة لصراعاتهم الشخصية العميقة.
كان يمكن لضحايا الصراعات السياسية الكبرى أن يكونوا أبطالا في مشهد سينمائي مؤثر، لكن بالنسبة إليهم، كانت المشكلة أكبر من قضية شعب أو أمة. كانت المشكلة في صراعهم الشخصي مع البقاء، مع الحب، مع الإيمان، مع خيبات الأمل الصغيرة التي تتضخم حتى تغرق كل شيء آخر.
نحن لا نهتم، لكننا نتصرف كما لو أننا نهتم، ثم ننسى أننا لم نكن نهتم أساسا
أحيانا، عندما أشاهد ضجيج الإعلام، أجد نفسي أفكر في المشهد الافتتاحي لفيلم Manhattan لوودي آلن، حيث تبدو نيويورك وكأنها مدينة خالدة، لا شيء يمكن أن يعكّر استمراريتها، لكن في الخلفية، هناك راوٍ يحاول جاهدا أن يكتب مقدمة لروايته، ويعيد صياغتها مرارا، غير قادر على تحديد نبرة الحديث التي تليق بهذه المدينة.
هذا هو حالنا مع الاهتمام بالقضايا الكبرى: نعيد الصياغة، نغيّر الآراء، نبحث عن اللغة المناسبة، لكننا لا نصل إلى شيء حقيقي. نريد أن نكون جزءا من السرد، لكن لا أحد منا يعرف كيف يكتب الفصل الأخير.
وهنا تظهر المفارقة. ففي عالم مليء بالصخب، من يختار الصمت يكون أحيانا الأكثر حكمة. ليس لأن الصمت إجابة، بل لأنه في النهاية، كل الكلمات التي ألقيناها في الهواء ستعلق هناك، مثل إشعاعات كونية قد لا تضيء أي شيء.
الشغف المؤقت كرياضة أولمبية
الاهتمام في هذا العصر يشبه سباقا أولمبيا، لكنه ليس ماراثونا بل سباق 100 متر في اللامبالاة المتجددة. نبدأ متحمسين، نندفع، نصرخ، نكتب مقالات غاضبة، ثم فجأة،، لا شيء! سباق جديد يبدأ، وقضية جديدة تظهر، والميداليات توزَّع على أسرع من استطاع أن يتجاهل كل شيء وينتقل إلى موضة الاهتمام التالية.

ساعي البريد الذي حاول أن يشرح الحب
أحيانا، أشعر وكأننا جميعا ماريو في فيلم “ساعي البريد” Il Postino: The Postman، نبحث عن كلمات شاعرية لنُضفي على حياتنا معنى، نقتبس نيرودا، نحاول أن نُفهم العالم أن هناك ما يستحق الاهتمام، ثم في النهاية لا أحد يكترث سوى نحن. الفرق الوحيد أن ماريو على الأقل وجد حبه، أما نحن فنبحث عن قضية لنغضب بشأنها قبل أن نعود لطلب قهوة مثلجة بلا سكر.

جنود المعارك المنسية
أتذكر حين كان الجميع يضعون شعارات التضامن على صورهم الشخصية؟ أتذكر كيف كنا نحمل قضايا كأنها معارك مقدسة، ثم فجأة صرنا مثل المحاربين القدامى، نتحسر على أيام الحروب القديمة بينما نقلب في هواتفنا بلا اهتمام؟ آه، كم هو جميل أن نكون جزءا من شيء ما، حتى ينتهي ونبحث عن غيره.

وهكذا، يستمر العرض . . .
محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق