القصف ذاته، الحصار ذاته، والموت يعيد المشهد نفسه كإعادة رديئة لفيلم فقد عنصر التشويق. لا ذروة، لا حبكة. فقط قتل رتيب بلا مجهود إخراجي. حتى هيتشكوك سيد التشويق كان ليطفئ الكاميرا. لا مفاجآت، لا تعقيد، مجرد ملل ثقيل لمجزرة تكرّر نفسها بثقة مفرطة.

لكن الأمر ليس مجرد “تكرار”
التكرار مفهوم له بنية. سيمفونية، حتى لو كانت تقوم على إعادة الجملة اللحنية نفسها، تحتاج إلى ضبط إيقاعها، تحتاج إلى خيط داخلي من المنطق يجعل التكرار ذا معنى. أما هنا؟ فالتكرار ليس نمطًا موسيقيا، بل انهيارا في الفكرة ذاتها.
حتى أفلام الرعب لا تملك الجرأة على أن تصبح بهذا الملل. حتى Friday the 13th أعطى جايسون فورهيس بعض التنوع في طرق القتل. هنا؟ نفس الطريقة، نفس المشهد، نفس الانفجار، نفس الجثث المغطاة بالركام. لو كانت هذه سلسلة أفلام، لكان الجمهور قد انسحب منذ زمن، بحثا عن حبكة جديدة، عن تطور في القصة.

في رواية مئة عام من العزلة، عندما تُمحى مدينة ماكوندو من الوجود، لا يبقى منها سوى ذاكرة غامضة بين الكتب القديمة. ما أفظع أن تصبح غزة ماكوندو أخرى، أن تظل فقط كأثر، كحروفٍ مطموسة في أرشيف الأخبار، أن تتحول المجازر إلى مجرد فصولٍ في كتابٍ لم يعد أحد يقرأه.

الطفل الذي كان ينتظر حقيبة مدرسية عليها صورة رونالدو. الطفل الذي تحولت أيامه من العد التنازلي للحروف الأبجدية إلى العد التنازلي للحياة. الطفل الذي بُترت يداه ثم احترق في خيمةٍ مع عائلته. هل كان ينتظر شيئا؟ هل سيُكتب اسمه في مكانٍ ما؟ أم أنه، كما في قصص الواقعية السحرية، سيصبح مجرد ظل يلاحق هذا العالم دون أن يراه أحد
تيرينس ماكينا كان يعتقد أن بعض الأرواح لا تغادرنا أبدا. ربما، في مكان ما، هناك إيقاع لم نسمعه بعد، هناك لحظة ستكسر هذا التكرار. ربما، فقط ربما، لا يزال الطفل ينظر إلى الخلف، منتظرا أن يكتشف العالم أن ذاكرته لم تُمسح بعد.

الأمر أشبه بمقطوعة موسيقية تتكرر للأبد، كأن ستيف الرايخ وبرنارد هيرمان جلسا معا ليؤلفا موسيقى الموت في غزة، لكن رايخ، بسيطرته على التكرار الطقوسي، رفض أي تصاعد، وهيرمان، بعبقريته في خلق التوتر، لم يجد أي حاجة لإضافة المفاجأة. الأوركسترا تعزف نفس الجملة اللحنية، مرة بعد مرة بعد مرة، بلا كريشندو، بلا لحظة انفجار موسيقي، فقط جملة دائرية بلا نهاية.

في تصميم العمارة، هناك مفهوم “التكرار الوظيفي”: عندما يُعاد نسخ عنصر معماري بشكلٍ آلي، بلا فن، بلا تفكير. المجازر اليوم أصبحت مصممة وفق هذا النموذج. ناطحة سحاب من الجثث، تمتد طوابقها إلى ما بعد الأفق، كل شقةٍ فيها نسخة من الأخرى. نفس الأخبار، نفس المقدمات، نفس التبريرات، نفس الجثث، فقط بأسماء جديدة، فقط بأطفال مختلفين لم يخطئوا في شيء سوى أنهم وُجدوا هنا. في التصميم إجمالاً هناك حدٌ للتكرار قبل أن ينهار التوازن. في تصميم الجرافيك، عندما يتكرر العنصر البصري أكثر من اللازم، يصبح غير مرئي، يتحول إلى ضوضاء بصرية لا يلاحظها العقل. المجازر أيضاً تخضع لهذه القاعدة. القتل المتكرر يصبح غير مرئي، كخلفية رمادية على شاشةٍ بيضاء. العالم يراها، لكنه لا يراها.

يقول كامو في الطاعون إن البشر لا يعتادون الجحيم، بل ينسون أنه جحيم. وهذا ما يحدث الآن. لم نعتد على رؤية الأطفال يموتون، لكننا لم نعد نرى في موتهم مفاجأة. إنه الاعتياد القاتل، حيث يتحول الرعب إلى مجرد خلفيةٍ ثابتة، كضوضاء المدينة التي يتجاهلها ساكنوها بعد سنواتٍ من العيش فيها. قبل سنوات، كان أيّ فيديو عن قصف منزلٍ سكني كفيلًا بإشعال موجة من الغضب والاحتجاجات. اليوم، القصف صار مجرد “قصةٍ جديدة” في موجز الأخبار، تمرّ بجوار قصة عن زيادة أسعار النفط أو عن مهرجان سينمائي في كان. المجازر لم تتوقف، لكنها فقدت قيمتها السوقية في بورصة التفاعل البشري.

الحرب ليست جديدة. نحن نعرف هذا. لكن الفارق اليوم أن العالم كله أصبح يشاهدها كما لو كانت عرضا متكررا. هناك من يقلب القناة، وهناك من يرفع الصوت قليلا ثم يُخفضه، وهناك من يحاول أن يقنع نفسه أن كل هذا سينتهي قريبا، كما تنتهي الأفلام الدستوبية حين يظهر بطلٌ من العدم ليقلب الموازين. لكن لا بطل في هذا السيناريو. لا حبكةٌ للنجاة، لا مشهدٌ أخير يضع كل شيءٍ في مكانه الصحيح. فقط إعادة تشغيل دائمة، كأن المذبحة ليست حدثًا تاريخيا، بل برنامج تشغيل تلقائي يُعاد تشغيله كل بضعة أشهر.

في مسلسل Westworld، كان الزوار يُبررون جرائمهم ضد المضيفين بأنهم “مجرد ذكريات قابلة للحذف”. كانت فكرة أن المضيف سيُعاد تشغيله، أن جسده سيُصلح، وأن عقله سيمحى كافيةً لإراحة الضمير. المشكلة الوحيدة؟ أن بعض المضيفين بدأوا في استعادة الذاكرة.
وبعد ذلك، تغيّر كل شيء.
هذا هو السؤال الذي لن يستطيع صناع الموت الإجابة عليه:
ماذا لو تذكر العالم؟ ماذا لو لم يعد الأطفال المذبوحون مجرد أخبارٍ تُنسى في نهاية اليوم؟ ماذا لو لم تعد المذبحة قابلة للإعادة؟ ماذا لو كان هناك فصلٌ جديد لم يُكتب بعد، فصلٌ يقلب القصة، فصلٌ يُنهي الفيلم بغير النهاية التي ظنّ الجميع أنها حتمية؟

وماذا لو توقف المشهد فجأة؟ لا نهاية، بل توقف. كما قال صلاح جاهين:
وقف الشريط في وضع ثابت
دلوقت نقدر نفحص المنظر
مفيش ولا تفصيلة غابت
وكل شيء بيقول وبيعبر
من غير كلام ولا صوت
أول ما ضغط الموت
بخفة وبجبروت، في يوم أغبر
علي زر في الملكوت
وقف الشريط في وضع ثابت

ويبدو الأمر كما لو أن أحدهم أخذ نصوص التاريخ، وبدلا من أن يكتب فصلا جديدا، قرر فقط أن يعيد طباعة نفس الصفحة مرارا: ووندد ني، سربرنيتسا، راوندا، غزة،، نفس الفصل يُعاد بنمط مختلف قليلاً، كأننا في نسخة كابوسية من مسلسل بلا نهاية.
ولكن حتى أسوأ المسلسلات تجد من يملّ منها في النهاية. السؤال ليس متى ستنتهي المجازر، بل متى سينهار التكرار؟ متى سيتوقف العالم عن إعادة هذا السيناريو؟ متى ستنفجر شاشة السينما، لا لأن القنبلة سقطت عليها، بل لأن الجمهور قرر أخيرا مغادرة القاعة؟

محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق