الإيقاع الحلال .. ماذا لو جاز الجاز؟

By

لماذا نصفّق في الحفلات ونمشي في الجنازات بإيقاع بطيء؟ لماذا حتى هتافات المظاهرات يكون لها إيقاع معيّن. بل لماذا تسير العراضة الشامية على النحو الجذاب الذي نعرفه؟ قد نجد شيئاً من الإجابة في علم النفس الجماعي حيث نفهم أن الناس بحاجة إلى تزامن لكي يشعروا بالانتماء إلى المجموعة. وربما لهذا حين خرج الزومبي في الحلقة الأولى من Midnight Gospel لم يكونوا مرعبين بقدر ما كانوا.. منسجمين. فحتى الكارثة تحتاج إلى جوقة تُضبط على إيقاع واحد

في علم النفس الجمعي الإيقاع ليس مجرد تنظيم زمني للأصوات، بل هو تنظيم للانفعالات داخل الجماعة. إنه ما يجعل القطيع يتحرك كواحد، والجيش يسير بخطوة ثابتة، والمصلين يركعون في اللحظة ذاتها دون أن ينظروا إلى بعضهم.

الإيقاع في ذاته لا يُسمع فقط، بل يُستَشعر. في القلب، في التنفس، في ما تحت المهاد!

وقد وجد علماء الأعصاب أن الدماغ البشري يحب التوقع، ويكافئك عليه بدفقات من الدوبامين حين “تصيب الضربة”، ولهذا ننجذب إلى الإيقاعات المتكررة، لأن فيها إحساسا زائفا بالسيطرة على الزمن.

في صلاة العيد، عندما يهتف الإمام “الله أكبر” سبع مرات متتالية، يحدث نوع من النشوة الجماعية المشابهة لحالة الترانس. ونفس الشيء يحدث في حفلات الجاز عندما تتكرر جملة لحنية معينة، ثم تنكسر فجأة وتولد ولادة جديدة، كأن العازف يقول: “نعم، كنت معكم، لكنني قررت أن أسبقكم بثانية”.

الاختلاف الوحيد؟ أن الجاز يحرّض على الفرد داخل الجماعة، بينما صلاة العيد تُذيب الفرد فيها، لحظيا على الأقل.

كأن الإيقاع يسألنا: هل تريد أن تنتمي؟ أم أن تُغرّد منفرداً؟ وفي كل مرة نُجيب بشكل مختلف، حسب ما فعلته الحياة بنا ذلك الأسبوع.

سياسيا، الإيقاع كان أداة سلطة. من مواكب النازية في نورمبرغ إلى نشيد الاتحاد السوفيتي، الإيقاع يصنع الانتماء والخضوع. هذا نوع من الإيقاع القسري، ولكن هناك نوعاً آخر. نوع  لا يُملى من سلطة، بل يُستخرج من وجدان جمعي، مثل إيقاع “صلاة التراويح” أو إيقاع تكبيرات العيد!

في اللحظة التي يبدأ فيها الميكروفون بالنداء “حي على الصلاة”، ويمشي الناس من كل الأزقة إلى المساجد، يحدث شيء يشبه الانقلاب الصامت على السياسة. ليس انقلابا على السلطة، بل على الزمن الذي ترسمه السلطة. فالدولة الحديثة تضبط إيقاع الناس على الدوام، على الجرس المدرسي، صافرة المصنع، أوقات العمل، النشرات الرسمية. لكن رمضان، وصلاة التراويح، والعيد، تكسر كل ذلك وتفرض نظاما موازياً، دولة روحية لها رئيس آخر، وشعب آخر، وطقوس أخرى.

هذا بالضبط ما فعله لويس آرمسترونغ بصوته الجريح عندما غنّى What a Wonderful World في عز صراعات أمريكا العنصرية. لقد غنّى عكس النشرة، وعكس القرار، وعكس الصورة الرسمية. أقام دولةً في الأغنية، فيها لونٌ آخر للسماء.

تخيل أن كل ركعة في التراويح هي تصويتٌ رمزي على نظام آخر لا يراه أحد، لكنه موجود في الإيقاع، في طريقة الاصطفاف، في التوقيت، في التكرار.

السياسة هنا ليست برلمانا، بل انحناءة ظهر في الصف الثاني.

في طريقه إلى مصلّى عيد الفطر، لم يختر صديقي “علي” الطريق الأقرب، بل تعمّد مسارا أطول، يُتيح له أن يستمع على الطريق إلى صوت نات كينغ كول وهو يعيد غناء رائعة آل بولي:

“The very thought of you…”

نعم، في طريقه إلى صلاة العيد، بكل صفاء ضمير، وبانسجام هادئ مع ما يسمعه وما هو ذاهبٌ إليه. لا نشاز في المشهد، بل تناغم خفيّ لا يراه إلا من تعلّم أن الإيمان لا يُقاس بحدة الملامح، بل برقّة الاهتزازات.

لكن ما الذي يجمع بين نات كينغ كول وتهليلات العيد؟

من ذا الذي يوفّق بين آل بولي وأولى لقمات الإفطار؟

بل من ذا الذي يرى في صوت نينا سيمون صدى خفيا لإيقاع التراويح في ليلة وترية؟

أسئلة كهذه لا تُولد من منطق الزمان، بل من كسوره. من شرخ في الواقع يسمح للحياة بأن تعزف مقاما جديدا، مقاما لا يتبع سُلّما شرقيًا ولا غربيا، بل نبضا بشريا واحدا.

قد يبدو هذا كله كأنّه مشهد من مسلسل فلسفي عبثي، يعيد ترتيب التاريخ الإنساني كما يعيد الطفل ترتيب الألوان دون أن يخشى الخطأ.

لكن الحقيقة أبسط:

البشر، حين يقتربون من لحظة الانفعال النقي،، يتشابهون.

وما الموسيقى، وما الصلاة، إلا لغتان مختلفتان لدمعة واحدة.

في زقاق قديم من أزقة نيو أورلينز، تحت ضوء مصباحٍ أصفر خافت، كانت نينا سيمون تغني “Feeling Good” بصوتٍ لا يشبه شيئا سوى الخروج من قيد داخلي. لم يكن صوتها فقط ما يهز الأرواح، بل الإيقاع الذي يسكن الأغنية؛ ذاك التماوج البطيء بين التوقع والانفجار، بين التنهيدة والصرخة. إيقاع الجاز، كما لو أنه صلاة غير معلنة. تمردٌ ناعمٌ على خط الزمن. إيقاع لا يطلب موافقتك، لكنه يورّطك في حضوره، ويجبر جسدك وروحك على الرقص داخليا.

وهنا، على بُعد آلاف الأميال، في شوارع عمّان أو القاهرة أو دمشق أو مكة، ينبعث في ليالي رمضان صوت الإمام من المئذنة. لا موسيقى هنا، لكن ثمة إيقاع. إيقاع يُربك الزمن البيولوجي ويعيد صياغة اليوم من جديد: السحور، الأذان، الصيام، التراويح، التهجد، الفجر. الأيام لا تُقاس بالساعات، بل بمواقيت مقدسة. حتى الجوع يصبح طقسا موزونا.

في مكان آخر من العالم، وفي روحٍ مختلفة لكن غايتها واحدة، وُلد الجاز كفنٍّ يُتقن الانتظار. الجاز، كما يعرفه عشاقه، ليس مجرد موسيقى. هو تأجيلٌ مقصود. انتظار ذكي. تسكّع بين نغمتين. هو فن المسافة بين الحدث ورد الفعل، تماما كالدعاء الذي يسبق آذان المغرب في رمضان، حين يكون الصوت خافتًا، والحواس مشدودة، والروح تتأرجح بين التعب والسكينة. ذلك الانتظار المتوتر، الذي يعرف فيه الجسد أن الطعام قادم، لكنه لا يزال معلقًا في البين، هو ذاته ما يُشعِر به الجاز المستمع حين يهمس له: لسنا في عجلة.

والجاز لا يختلف كثيرا عن التراويح. كلاهما طقس جماعي له حدود مرنة. في الجاز، تبدأ اللحن ثم تتيه في الارتجال، تعود، تتوه، تعود. في التراويح، يقرأ الإمام القرآن في ركعتين، ثم يأتي بركعتين ثانيتين ثم يستريح، ثم ركعتان وركعتان، ثم استراحة. الإيقاع نفسه بين التدفق والتوقف، بين النشوة والخشوع. بين ما يُقال وما يُسكَت عنه.

نات كينغ كول في أغنيته “Smile” لا يبدو بعيدًا أبدًا عن إمام العيد وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. كلاهما يطلب منك أن تبتسم رغم كل شيء، أن تفتح قلبك في لحظة جماعية رغم الفردية المتراكمة على صدرك. الأول يقولها بالإنجليزية، والثاني بالعربية، لكن النغمة واحدة: هناك احتمال دائم للخلاص.

نينا سيمون، وهي تغني “I Put a Spell on You”، لم تكن تغني فقط عن الغيرة أو العشق. كانت تعلن سيطرتها على اللحظة، كانت تقول للعالم: اسمعني. وذلك ليس بعيدا عن لحظة التراويح حين يتلو الإمام سورة مكية بصوت هادئ، لكن فيه ما يكفي من الحضور ليوقظ شيئا في قلبك. كأن رمضان كله يرتكز على هذه اللحظة من السيطرة على النفس، وعلى العالم.

آل بولي؟ ذلك الصوت النبيل الحزين، الذي يشبه صوت رجل يرتدي بدلة توكسيدو في قطار قديم، يشرب قهوته ويقرأ خبرا سيئا لكنه يبتسم للراكب أمامه. ألا يشبه ذلك جدك في صباح العيد؟ حين يرتدي أحسن ما عنده، ويخفي آلامه عنك بابتسامة لطيفة وعبارة محفوظة: “كل عام وأنت بخير”؟

رمضان، والجاز، يشتركان في شيءٍ عميق: كلاهما طقس. كلاهما تجربة حسية وبصرية وصوتية وروحية. كلاهما ليس له علاقة بالكلمات فقط، بل بالصمت بين الكلمات. في الجاز، الصمت هو جزء من اللحن. وفي رمضان، الصمت أحيانا هو العبادة كلها. لحظة السكون بعد ركعة، أو بعد تسبيحة، أو بعد تنهيدة أمّ تطهو لطفلها، تلك اللحظات التي لا تُكتب ولا تُسجّل، لكنها تصنع الإيقاع العام للشهر.

لقد كان الجاز، في لحظاته الأولى، أكثر من مجرد موسيقى. كان مقاومة مغنّاة، صلاة سوداء على مفاتيح بيانو مغبر، وصرخة هوية داخل زجاجة ويسكي رخيصة. حين تغني نينا سيمون أغنية “Strange Fruit”، لا أحد يجرؤ على التصفيق فورا بعد انتهائها. هناك ثقلٌ يسقط في المكان. الإيقاع بطيء، النبرة مظلمة، والهواء منكمش. شيء يشبه دعاء الوتر في ليلة شتاء رمضانية، حيث الصمت الذي يلي “اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا” لا يقل قداسة عن الدعاء ذاته. الجاز القديم والتراويح يشتركان في هذا: في الغصة العميقة التي لا تخرج من الحنجرة، بل تسكن في الظهر وتستقر في الأضلاع.

وفي لحظة التقاء نغمة آل بولي المتهادية مع خطوات الداخلين إلى التراويح، تشعر أن الإيقاع قد بُني، لا عُزف فقط. وكأن المعماري، في زاوية ما من التاريخ، اتفق سرا مع المؤذن والجازيست على أن الزمن يمكن أن يُشيَّد كما يُشيَّد المبنى، بطوبٍ من الإيقاع، وسقفٍ من التكرار الجميل.

المعماري السويسري لو كوربوزييه كان يرى أن العمارة هي “اللعب الذكي بالكتل تحت ضوء الشمس”، ولكن ماذا لو كانت الكتل هي الفواصل الزمنية، والضوء هو صوت تكبيرات العيد؟ في المساجد القديمة، مثل جامع السلطان أحمد أو القيروان، لا تشعر أن الزمن يجري، بل يُطوى ويُطوى حتى تصبح أنت، بكل هشاشتك، جزءا من إيقاع حجري مقدّس.

وفي العمارة الإسلامية، القباب والمقرنصات ليست مجرد زخرفة، بل ترتيلة مرئية. إنها نُسَخ صامتة من “الله أكبر” ترددها الجدران. حتى المسافة بين كل دعسة ودعسة في رواق المسجد تحمل نمطا إيقاعيا لا تراه لكنه يتسلل إلى خطواتك.

في الجاز كما في العمارة الإسلامية، هناك وعي بالفراغ: الصمت بين نغمتين كالمحراب بين مئذنتين، الفسحة بين ضربيْ إيقاعٍ هي عتبةٌ لدخول روحك إلى الرنين.

هل كان الفن والإيمان، الموسيقى والعبادة، الروح والإيقاع….. هل كانت كلها دائما أدوات الإنسان ليواجه نفسه؟ ربما، ففي نهاية الأمرالترانيم الأمريكية السوداء التي وُلدت في الظلم لا تختلف كثيرا عن تكبيرات الفجر في حي شعبي فقير. كلاهما يقول: ما زلنا هنا.

وإذا كان للكون ذاكرة صوتية، فإنه سيحتفظ بأصوات نات كينغ كول ونينا سيمون وآل بولي، تماما كما يحتفظ بصدى الأذان في رمضان، وبضحكة طفل في صلاة العيد، وبصوت مصلٍّ مسنّ يردد الفاتحة من ذاكرته المهترئة، لأنه لا يستطيع أن يقرأ من المصحف.

إن الجاز، عند صديقي علي، كما عند زياد رحباني، ليس غربيا. كما أن رمضان ليس شرقيا. كلاهما، في لحظته الأصدق، إنساني.

كلاهما، باختصار، نوتةٌ على سلم النجاة.

في أحد مشاهد فيلم Whiplash، يتوقف الأستاذ فجأة عن العزف، يحدّق في تلميذه، ثم يقول ببرود قاتل: “‘Not quite my tempo”، قبل أن يبدأ في الطرق بأصابعه، كما لو كان يُمسك بالحياة نفسها بين نبضتين. فالإيقاع، في عينيه، ليس مجرد توقيت موسيقي، بل نظام صارم لا يُحتمل فيه الخطأ. في رمضان، التوقيت كذلك صارم. إفطارٌ قبل دقيقة؟ يبطل الصيام. إفطارٌ بعد دقيقة؟ إنكار للرحمة. لحظة المغرب تصبح ضربا على طبلة كونية، تحدد فيها الروح إيقاعها.

وفي الفيلم نفسه، بينما يُدفع الطالب أندرو إلى حدود الانهيار خلف طقم الطبول، يحدث ما يشبه الانفصال عن الجسد. التوتر، الدم، العرق، كلها تتلاشى أمام اللحظة: لحظة يضرب فيها بالإيقاع تمامًا كما ينبغي، وكأن الزمن يذوب في الضربات المتتابعة. لحظة كهذه ليست بعيدة عن الركعة الخامسة عشرة في تراويح طويلة، حين يتجاوز الجسد إرهاقه، ويصير الفردُ آلةً طاهرة تعزف تسبيحا عتيقا بلحن يعرفه القلب. الجاز والتراويح، في جوهرهما، تجليات لذات الشيء: ذوبان في النمط، لا استسلاما له، بل تحررٌ عبره.

الروايات تعرف هذا الإيقاع الخفي أيضا. خذ مثلا رواية The Mezzanine لنيكولسون بيكر، التي تدور بأكملها خلال لحظة صعود موظف أثناء استراحة الغداء. تدفق داخلي للأفكار اليومية، يتبع إيقاعا ذهنيا خاصًا. وكأنك تغوص في وضوء داخلي، لا تطهّر فيه الجسد، بل التفاصيل المنسية. أو رواية “ساعة بغداد”، حيث ينقسم الزمن بين ما قبل وما بعد، لكنّ الإيقاع لا يتوقف. الحرب، السلام، الطفولة، الموت. كله يتحرك كبيانو منفلت.

وحين كتب غابرييل غارسيا ماركيز “مئة عام من العزلة”، لم يكن يدوّن تاريخ قرية، بل كان يدق على دفٍ سحري يحكم عودة الأسماء وتكرار المصائر. الرواية كلّها إيقاع: أورليانو يولد ليكون أورليانو آخر، والقرية تبدأ كما بدأت، وتنتهي كما بدأت، وكأن الزمن لا يسير بخط مستقيم بل بدوائر تضيق وتشتد كما في مقامات الإنشاد.

الإيقاع في الرواية هو ما يجعل الأحداث تنبض ولو كانت بلا حبكة. قارئ “الساعة الخامسة والعشرون” لكونستانتين جورجيو لا يذكر تسلسل الأحداث، لكنه يذكر الشعور بالاختناق، بوطأة الزمن، وكأن الصفحات كانت تصرخ “تاك… تاك… تاك…” بلا توقف. الرواية لا تُروى، بل تُعزف، حتى لو لم تعترف بذلك. ومن هنا، فإن “الجاز” ليس غريباً عنها، بل هو شقيقها غير الشرعي.

حتى الميثولوجيا لم تكن غريبة عن الإيقاع. في أسطورة بروميثيوس، يتكرر العذاب يوميا: النسر يأكل كبده نهارا، ويعود الكبد ليتجدد ليلا. عقوبة بإيقاع منتظم. وفي المزامير، يُسبّح داوود الله بالمزمار والقيثارة، في طقس موسيقي ديني يشبه استحضار الأرواح في الطبول الأفريقية أو  حتى طقوس ذكر الدراويش.

في الميثولوجيا الإغريقية، كان الإله بان، إله البراري والذعر، يعزف على نايٍ صنعه من قصبته المبتورة. موسيقاه لا تشبه أنغام أبولو المصفاة، بل أقرب إلى نفسٍ لاهث في عتمة غابة، أشبه بالجاز الخام، حيث الخوف والرغبة يختلطان في نغمة واحدة.

رمضان، في لياليه الأولى، يشبه عزف بان: اضطراب في النظام المعتاد، خلخلة في روتين اليوم، والإيقاع الداخلي يتبدل، حتى من لا يصلّون يشعرون بذلك الخلل العذب.
في المسيحية، الصوم الكبير لا يبدأ إلا بعد أربعاء الرماد. لحظةٌ مفصلية، مثل لحظة أذان المغرب. حتى في بعض الطقوس البوذية، هناك ضرب للجرس ثلاث مرات في لحظة التأمل، لضبط النفس على تردد الكون.

في التقاليد اليهودية القديمة، هناك لحظة يسمونها النداء الكبير” التكيا غدولا Tekiah Gedolah، وهو النفخ الطويل الأخير في الشوفار (البوق المصنوع من قرن الكبش) في ختام يوم الغفران. تلك النفخة ليست مجرد صوت، بل حفرة زمنية، يقال إن الأرواح تصمت عندها، وأن الملائكة تُعلق مهامها.

كأن الزمن نفسه يركع.

رمضان، في لياليه الأخيرة، حين تتقاطع التهجدات المتأخرة مع خفوت الشوارع، له لحظة “تكيا غدولا” خاصة به. ليست بوقا، بل سكونا طويلاً في دعاء التهجد، أو في السجدة الطويلة للإمام الذي انكسر صوته ثم عاد وتبعثر، أو ربما في ضحكة طفل نام في الصف الأول أثناء الصلاة.

أما الجاز، فله أيضًا “تكياه” مقلوبة، حين يمسك العازف بالبوق، يتردد، يتنفس.. ثم لا يعزف. تلك اللامقطوعة التي تسبق المقطوعة، الصمت الذي يُغني، هو نداء الجاز الغامض. نداء لا يُطلب فيه الغفران بل يُستخرج فيه الألم، كمَن يستخرج حجرًا كريمًا من تجاعيد الروح.

إن الزمن، بحسب الفيزياء، يتمدد ويتقلص حسب السرعة والجاذبية. والثقوب السوداء تمتص الزمن حتى يكاد يتوقف. هل كانت ليلة القدر هي اللحظة التي اقترب فيها الزمن من التوقف؟ من التمدد؟ هل نحن نعيش الإيقاع الكوني بطريقةٍ فطرية في رمضان؟

في الفيزياء، لا شيء يحدث بلا إيقاع ولا حتى الفراغ. الزمن نفسه، كما يخبرنا أينشتاين، ليس مطلقا، بل مرن، ينضغط ويتمدد حسب الكتلة والسرعة. الكون لا يمشي كساعة جدارية، بل كإيقاع حرّ يضبطه عازف لا نراه.

الذرات ترقص. نعم، حتى في السكون الظاهري، هناك اهتزاز. الجزيئات تهتز حول نقطة اتزان، والإلكترونات تتأرجح في سُحبٍ احتمالية حول النواة. والمجرات تدور بإيقاع، والنجوم تنبض مثل قلوب حمراء عملاقة قبل أن تموت في انفجار سيمفوني يسمونه سوبرنوفا.

نحن أنفسنا، في أجسادنا، نحمل توقيتات داخلية: السيركاديان، ذلك النظام العصبي الصامت الذي يوقظنا وينوّمنا، يرفع حرارتنا في منتصف النهار، ويجعل تركيزنا ينهار بعد الغروب. إيقاع داخلي صُمّم على ضوء الشمس، لكنه لم يُسقط حُب الليل، ولا نداء القيام قبيل الفجر وعنده.

لهذا، حين نسمع نات كينج كول يعزف Stardust أو يقرأ الإمام دعاء القنوت، لا نسمع مجرد نغمة أو كلمات. نحن نتحسس شيء أعمق: اهتزازات الكون نفسه، موزونة بحكمة قديمة، تنطق بها أشياء لا تفهم اللغة، لكنها تفهم التوقيت.

الهايكو الياباني يعرف أيضا كيف يلتقط لحظة إيقاعية مكتملة في ثلاث أسطر. لحظة عابرة، لكنها مكتملة، مثل نظرة طفل عند الأذان الأول. مثل ومضة تكرار “الله أكبر” في أذن الكون.

في الهايكو، تلك القصائد اليابانية التي لا تتعدى السبعة عشر مقطعا صوتيا، يحتشد الكون في ومضة، ويحدث كل شيء في ثلاث أنفاس: لحظة مراقبة، لحظة دهشة، ولحظة استسلام. كأن الهايكو عزف منفرد على وتر واحد، لكنه يوقظ الغابة. قصائد مثل:

فوق غصن عار
غراب يهبط في صمت…
مساء الخريف

هكذا يكتب “باشو”، وكأنه يصف نهاية التراويح في حيّ شعبي، حين تهدأ الأرجل بعد قيام طويل، ويهبط الصمت كغراب متأمل على أرصفة المساجد. التراويح بدورها هايكو طويل، لا يُقال في ثلاثة أبيات، بل في عشرين ركعة، ومع ذلك فيه دهشة، ومراقبة، واستسلام.

والجاز؟ هو هايكو أمريكي، لكنه لا يُقال بالأبيات، بل بالارتجال. لا تقفله قافية ولا تقيّده تقوى، لكن فيه حكمة تشبه حكمة الزنّ: عش اللحظة، أنصت للخطأ، اجعل الارتباك جزءا من اللحن.

كلاهما، الهايكو والجاز، لا يحبّان أن يُشرحا. فقط أن يُسمعا. أن يُحسا. أن يُصلى بهما.

ولكن رغم كل ذلك، فثمة شيء مرعب في انتظام الإيقاع. في تكراره الدؤوب. الرعب لا يكمن في الفوضى فقط، بل في ما يشبه النظام أكثر مما ينبغي. الموسيقى التي تتكرر بلا نهاية تُذكّرنا بالموت أكثر من الصمت. ذلك ما التقطه ستانلي كوبريك في مشهده الأشهر من فيلم The Shining: الطفلتان التوأمان في الردهة، الوقفتان بطريقة متناظرة، النغمة الثابتة التي لا تتغير، والصرخة المؤجلة. كل شيء منتظم حد الرعب. أو حين تتكرر الجملة نفسها على الآلة الكاتبة: “All work and no play makes Jack a dull boy”، ذلك التكرار المَرَضيّ، إيقاع مختلّ، يُنذر بانفجار. مثل صائمٍ يفقد التوازن، لا بسبب الجوع، بل بسبب كسر الإيقاع.

ثم، في اللحظة الأخيرة، يدخل صوت الجاز ناعمًا: “Midnight, the Stars and You”… لا كفاصل، بل كمن يعيد ضبط الإيقاع الكوني على وتيرته الباردة. الجملة الأخيرة لم تكن صرخة، بل أغنية. تكرار ناعم يُخفي داخله خللا لا يُحتمل. فالكاميرا تتقدم في زوم بطيء، فتأخذ معها الحواس، وتتركنا أمام صورة قديمة لجناح حفلة في 1921، حيث يظهر جاك كأنه كان هناك دائما. لا أحد يصرخ، لا أحد يتحرك. فقط الإيقاع يستمر، كأن الزمن نفسه عالق في لازمة موسيقية لا تنتهي. الجاز هنا لا يحرّك الجسد، بل يدوّخ الذاكرة. يجعل الحاضر ماضيا، والماضي حاضرا، ويتركنا نتساءل: هل هذا هو الثبات أم الدوران؟

الزمن هنا لا يمشي، بل يدور. الحاضر يُشفط إلى صورة الماضي، والماضي يخرج من إطاره ليصير حاضرا. الجاز لا يحرّك الجسد فحسب، بل يُربك الذاكرة. يربت على كتفك كأن كل شيء طبيعي، بينما كل شيء مختلّ.

كذلك الجاز، حين ينحرف عن المقام، يُشبه لحظة خروج الشبح من الصورة. والتكبيرات في العيد حين تنبعث فجأة في الفجر من المآذن تُشبه ارتجاف الستائر في بيت مهجور. شيء ما في انتظام الأصوات، حين يمرّ على النفس البشرية من موقع اللامتوقع، يصبح مرآة للرعب: لأنك تعرف أنه آتٍ، لكنه لا يأتي فورا.

رمضان أيضا يملك هذا النوع من الرعب الرمزي: فكل ما فيه مؤقت. محدود. محكوم بشروق وغروب. والإنسان، بطبعه، يخاف المؤقت أكثر مما يخاف المجهول. لأن المؤقت يذكّره بالساعة الرملية داخله. وحتى الجاز، حين يبدأ بالعدّ، لا يخبرك كم بقي من النغمة.

في مسرحية الملك لير لشكسبير، حين تبدأ العاصفة ويصرخ لير في وجه الريح: “نفثاتكِ لا تخيفني، فأنا لا أملك شيئا لتسلبيني إياه”، يبدو وكأنه يواجه الإيقاع ذاته. ليس الرعد ولا المطر، بل إيقاع الزمن وقد نزل عليه فجأة دفعة واحدة. فالمسرحية، منذ بدايتها، تتقدم بإيقاع يتسارع دون رحمة: خيانة، انقسام، جنون، طرد، عاصفة. كل مشهد يفتح إيقاعًا جديدًا، يركض خلفه الإنسان حتى يلهث.

لير، في لحظة جنونه، ليس مجرد ملك مسن تم خداعه. بل هو رجل سقط من إيقاع القصر إلى إيقاع الطبيعة العمياء، من بروتوكول العرش إلى عشوائية الريح. مثل عازف جاز فقد فرقته، وصار يعزف وحده في العاصفة، بنوتة مفقودة.

والمذهل أن النهاية لم تكن انفجارا، بل همسا. الصمت الذي يهبط بعد صراخ لير، يشبه ما يحدث بعد التكبيرة الأخيرة في العيد، بعد أن يغادر الجميع، بعد أن تصمت المآذن ويعود العالم إلى رتابته القديمة. كأن الزمن، في النهاية، لا ينتصر بالصوت، بل بالفراغ.

نعم ! كأن الزمن، في النهاية، لا ينتصر بالصوت، بل بالفراغ.

وإذا كانت عاصفة لير قد حطّمت النوتة، فإن عالم فيليب ديك يعيد تدويرها بلا توقف، حتى تصير ضوضاءً لا تُحتمل.

فقد تنبأ فيليب ديك في خياله العلمي بعوالم تتكرر فيها الأيام بلا معنى، حيث يصبح الإيقاع مختلا والواقع افتراضيًا. اليوم، في عصر الواقع الافتراضي، نعود بالإيقاع إلى أجسادنا عبر سماعة الأذن. أليس هذا عجيبا؟ أن تكون العودة إلى الروح عبر قطعة بلاستيكية؟

لكن حين يصبح الإيقاع جسديا أكثر من اللازم، لا بد أن نرتدّ إلى السؤال الأقدم: ماذا لو كان الإيقاع طريقا إلى الله؟

في التصوف، يقال إن الله لا يُدرَك بالعقل، بل بالإيقاع. في حضرة المولوية، كل دوران له وزن. كل التفاف جسد يُقابل نبضة قلب. الذاكرون يعرفون أن “هو” لا تُقال، بل تُدندن. هي موسيقى من نوع آخر.

في حضرة التراويح، كما في نوتة جازٍ مرتجلة، يتجاور الانضباط بالعفوية. كل شيء مضبوط الإيقاع، وكل شيء يفيض عن المعنى. هذا هو منطق التصوف: أن تمشي في خطٍ مرسوم، لكن بقلبٍ خارج الرسم. أن تركع، لا لأنك مأمور، بل لأن روحك وجدت الإيقاع في النزول.

مولانا الرومي كان يرقص، لا ليسلّي أحدا، بل لأنه كان يسمع الإيقاع الداخلي للكون. التكرار عنده لم يكن مللاً، بل سُلَّماً لولبيا نحو الأعلى. “كل نَفَسٍ يخرج منك هو جزء من الصلاة”، قال مرةً، وكأنه يصف التراويح أيضا، الركعة بعد الركعة، كأنفاس دائرة تصعد وتهبط، وكلها تقول الشيء ذاته بلغات مختلفة: الله حاضر.

وفي الجاز كما في السُكر الصوفي، هناك لحظة انفلات، لا تعرف فيها هل العازف يعزف الموسيقى أم أن الموسيقى هي من تعزفه.

وعندما يُغمض الراقص عينيه، تبدأ العين الداخلية في الرؤية. فالإيقاع لا يُسمع فقط، بل يُرى أيضاً! وفي التصميم البصري التماثل إيقاع، والخطوط المنحنية إيقاع، والفراغ بين نقطتين إيقاع. الزخارف الإسلامية، مثل الأرابيسك، ليست إلا نوتات بصرية، تُرتَّل بالنظر.

لكن العين لا تكتفي بالتأمل طويلًا، فسرعان ما تمد اليد لتشارك الإيقاع، لا كمراقب، بل كلاعبٍ يريد أن يلمس ما يراه، أن يختبر التناغم بأصابعه، ويخطئ ويصيب، كما لو أن الإدراك لا يكتمل إلا حين يهتز الجسد كله مع النغمة. وهذا ما يحدث تقريباً في ألعاب الفيديو؟ جرب أن تلعب “Journey” أو “Shadow of the Colossus” أو حتى “Dark Souls”، وستجد أن الإيقاع ليس فقط في الصوت، بل في حركة اليد. في التوتر قبل الهجوم. في الهدوء بين المعارك. حتى اللعبة تفهم أن الروح تحتاج إلى تنفسٍ موزون.

نحن لا نعيش داخل الزمن فقط. نحن نؤلف معزوفة حياتنا داخله. نكتب بحضورنا نوتات لا تُسمع، لكن تُحَسّ.

لكن ليس كل الإيقاع تحت سيطرة أصابعنا. فهناك إيقاعات أكبر من أن نلعبها، وأسرع من أن نلحق بها، وأبطأ من أن ننتظرها

في عالم Interstellar، كان الإيقاع قاتلا. كوكب ميلر يدور قريبا من الثقب الأسود، حيث كل دقيقة تساوي سبع سنوات على الأرض. هذا ليس خيالًا محضا، بل تطبيق مرعب لنظرية النسبية. الإيقاع هناك، في الفضاء، ليس فقط أسرع أو أبطأ… بل مجنون، غادر، غير عادل. الفارق الزمني بين الأب وابنته أصبح إيقاعًا عاطفيا ممزقا، حيث يشيخ أحدهما والآخر ما يزال في لحظة وداعه.

تخيل أن رمضان هناك سيكون مختلفا تماما. صلاة التراويح قد تستغرق يوما كاملا على الأرض. صوت المئذنة سيصل متأخرا… وربما، عندما تنطلق “الله أكبر”، سيكون من يسمعها قد مات منذ سنين.

لكن الإيقاع لا يعبث بنا في الفضاء فقط؛ إنه يسخر منا أيضا على الأرض، حين نظن أننا نكتبه، بينما هو يكتبنا. وفي خيال إسحاق عظيموف، وتحديدًا في رواية الأساسات (Foundation)، كانت المعضلة الكبرى أن الإيقاع التاريخي للبشرية يمكن التنبؤ به، لكن لا يمكن تغييره بسهولة. علم “السيكوهيستوريا” الذي اخترعه بطل الرواية Hari Seldon، وضع خريطة لما يمكن وصفه بالإيقاع الجمعي للتاريخ، وكأن العالم كله سمفونية ضخمة. ففكرته تدور حول التنبؤ بالإيقاع التاريخي للبشرية وصعوبة تغييره، مع التركيز على دور الأفراد وتأثيرهم المحتمل على هذا الإيقاع، مما يتشابه مع التوتر الموجود في موسيقى الجاز بين التزامن والارتجال.​

وفي سيمفونية العالم هذه، يثور فضول تلك النظرية لتتنبأ متى تدخل آلات النفخ، ومتى تسكت الكمانات. ويلمع خوفها: لكن ماذا لو عزف أحدهم خارج اللحن؟

لكن في قلب كل سمفونية كبرى، هناك مقامٌ قديم يُردَّد، ليس اختراعا، بل استذكارا. ولعل أقدس الإيقاعات، تلك التي لم تُكتب بل تُليت، وظلّت تُردد منذ الأزل، كما في الدعاء، كما في الصلاة.

يحب صديقي علي أن يستفتح صلاته بدعاء مصدره قرآني من سورة الأنعام “إنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، ويقول أنه يحب إيقاعه.

وحين ألمحت إليه أنه يبالغ قال لي: لا تنس يا محمد أن القرآن الكريم، وهو أقدس النصوص، حين أراد أن يُحفظ، لم يُطبع أولاً، بل قُرئ بإيقاع، وكذلك اللحن الجيد لا يحب أن يُعزف فقط، بل أن يُتلى.

وربما كان أحمد التوني، في لقائه النادر مع عازف الفلامنكو توماتيتو، أقرب ما يكون إلى ذلك العازف الأخير، من لم يتمرّد على اللحن، بل نزل إليه من الجبل ومن التراب، وجعله يتلوى مثل نارٍ تعرف طريقها إلى السماء.

ففي تلك اللحظة التي غنّى فيها التوني وتوماتيتو يعزف، لم يكن هناك لحن ولا مقام، بل شهقةٌ جماعية للعالم، كأن الزمن نفسه قال: آمين.


محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق