يرهقني ما تركته خلفي من كتابات، هنا وفي أي منصة رقمية أخرى. لم تعد مجرد نصوص، بل كأنها طبقات متحجرة من ذاتي، تلك الذات غير الثابتة التي تولد من جديد كل مدة.
هذا وأنا مغمور جدا، لا يخطر لأحد أن يبحث عن ما أكتبه، ولو وجده مصادفة فلن يكترث لأمره.
لكنني أشعر كما لو كان كل شخص في حالة الأونلاين على وشك الدخول إلى أرشيفي المحرج، أو لعله غادره للتو.
ولكن ألا أملك حقا في التنصل من كل ذلك؟ ألا يحق لي سحب اسمي المغمور هذا من أي تداول؟
ألا يحق لي أن أطالب بحذف أي تعليق كتبته في أي موقع وفي أي مكان؟
أظن أن من حقي أن أملك سلطة على ما يحمل اسمي، سلطة تشبه سلطتي على حسابات مواقع التواصل، أو على مدونة أملكها، حيث يمكنني أن أحذف ما أشاء (وأن أعيد ما أشاء) بمجرد الذهاب إلى سجل النشاط activity log.
أنا أفكر في أبعد من ذلك، وأشعر أن من حقي أن أحذف كل ذاكرة عني في دماغ أي إنسان، طالما أن هذه الذاكرة ليست ضرورية له. طالما أنا لا أشكل لذلك الإنسان تهديدا فمن حقي أن أنسحب من ذاكرته، وأن ألغي كل موقف محرج وظهور غبي من ذاكرته عني.
المسألة ليس تقديسا للأنا وصورتها، بل هي محض رغبة في التحرر. من حقي أن أُنسى!
ولأن حذف وجودي من ذاكرة الآخرين أمر مستحيل، أو على الأقل لم أصل إلى وصفته بعد، أريد أن أفكر على الأقل بما هو ممكن، بوجودي الرقمي المفزع هذا!
لا تستمر الهوية إلا بمقدار قدرتها على النسيان أي حذف ما لم يعد يخدم استمرارية الذات. هذا ما ذهب إليه بول ريكور، في نقده للأيديولوجيا. أما الإنترنت ففي حالات كثيرة يتحجر ولا يرضى أن ينسى. رغم أنه، وبخلاف الإنسان، لا ينفعل بالذاكرة، بل يحتفظ بها دون دافع ودون شعور. لعل الإنترنت ينتظر مصير”فونيس”، في قصة بورخيس القصيرة الشهيرة، ذلك الذي لم يعد بوسعه أن ينسى فلم يعد بوسعه أن يفكر. حتى دريدا تحدث عن ما سماه “حمّى الأرشيف”!
عندما ننظر إلى سيرة سالينجر، صاحب رواية الحارس في حقل الشوفان، نرى محاولة لاستعادة الحق في كتابة الذات بعيداً عن أعين الآخرين. وربما يتعين على أي هوية أن تظل في حركة دائمة بين الاختفاء والظهور، والذاكرة عبء على هذه الديناميكية، خاصة حين تكون مسجلة أو مكتوبة!
أكره أن أكون محكوما بمنطق الأرشيف، أن أفقد حقي في التنصل من تعليق قديم كتبته في حالة انفعال، أو مقال ساذج كتبته في حالة اغتراب، أو مقال خطر لي أن أستخدم الذكاء الصناعي في إنتاجه (من خلال برومبت قد يمتد ساعات لكتابة فقرة واحدة منه) فزرع البوت بصمته الخفية في النص بمنتهى الأنانية، ليوحي لتلك الكاشفات الميتة الشعور Ai detectors أنه نص مولد بالكامل بالذكاء الصناعي!
لذا فإن حديثي عن حقي في أن أُنسى رقميا هو حديث عن العدالة، ومحاولة بالحد الأدنى لاستعادة شكل من أشكال التوازن بين ما نلقيه هنا وهناك في لحظات تهور، وما يطاردنا بشكل سخيف إلى الأبد!
هناك مساحة ينبغي أن تظل مفتوحة بين كل ذلك الأثر، وتلك الهوية الضئيلة. أريد أن أبدأ من جديد. حرروني من هذه القيود.
من قال أن الذاكرة الرقمية الميتة، والتي تتحول بسهولة ما أن يطأها أي متجول على الإنترنت إلى ذاكرة عامة مشحونة بشتى الانفعالات، من قال أنها محايدة! إنها سلطة، وسلطة تمشي بثقل شديد على رقاب من لا يطيق أن ينظر إليه الآخرون فيحتفظوا عنه بأي تصور! سلطة أصر على حقي في النجاة منها كما أصر على النجاة من ذاتي القديمة الثقيلة، ومن كل أشلاء تلك الكتابات والتعليقات والحوارات وسائر أشكال الظهور الرقمي السابقة!
أريد أن أبني ما تبقى من وجودي، الرقمي وغير الرقمي، على الحد الأدنى، على تكرارات يزيل كل منها أثر ما قبله، حتى أتطهر بدلا من أن أتراكم. وأريد أن أحتفظ بحقي وسلطتي على كل جملة أقولها كي يتسنى للجملة التالية أن تتنفس!
وأنا هنا، ورغم الذاتية الشديدة لطرحي، لا أغرد وحيدا. فهذا الحق في مواجهة الذاكرة الرقمية محل حديث في السياقات الانسانية المتقدمة، حيث الموازنة بين الحق العام في المعرفة، وحق الفرد في السيطرة على صورته، هي لزوم ما يلزم!
ولذلك من الطبيعي، هناك وليس هنا، أن ترى من يسأل: إلى أي حد يمكن أن تسمح القوانين البشرية الموجودة بأن تظل نسخة مني معلقة في الفضاء العام؟!
وفي النظام الأوروبي لحماية البيانات GDPR يمكن أن نتلمس بسهولة اعترافهم بأنه ليس على الماضي أن يكون قدرا، فقد احتوى مواد تحدثت بوضوح عن “المحو” ولا نتحدث هنا عن محو معلومات خاطئة، بل عن محو أي معلومات لم تعد صالحة للغرض. لذا يمكن لأي شخص أن يجادل بأن تعليقا أبله كتبه سنة 2010 على صحيفة محلية صفراء تحولت إلى إحدى الصفحات الزومبي التي لا أهل لها، لم يعد يعكس هويته الحالية، لذا فهو غير صالح للغرض. وبالحد الأدنى يجب في هذه الحالة أن لا تصل محركات البحث إلى تلك الصفحة التي تحتوي التعليق بمجرد البحث عن اسمه، فضلا عن أي صفحة لها أدمن ولم تتحول إلى زومبي، ينبغي عليها أن تنصاع لمن يريد أن يحذف وجوده الرقمي عليها بالكامل، وليكن لها كامل الحق في أن تنتقم منه برفض نشر أي تعليق له عليها بعد ذلك! فهذا ثمن بخس لتطهير الصورة الرقمية!
ولو أنني قرأت سنة 2009 كتاب الأكاديمي المرموق فيكتور شونبرغر عن فضيلة النسيان في العصر الرقمي في كتابه
Delete: The Virtue of Forgetting in the Digital Age
لكنت أكثر حذرا في النشر، وأكثر انضباطا في الظهور، ولوفرت على نفسي أن أتحول إلى كاتب مغمور يطارد شبحه على أرشيف الإنترنت!
لكنني لم أفعل. لم أكن أقرأ كثيرا في ذلك الوقت. لعلي كنت منشغلا بحفظ افيهات مسرحية شي فاشل لزياد رحمه الله عن مشهد غضب الأهالي!
ولأنني لم أفعل، فأنا أدفع الثمن.
ويكفي لأثير غضبي على نفسي أن أعود إلى بعض أشكال الهراء التي صدرت مني خلال 2023 و 2024 (أي قبل قليل بمقاييس الزمن العام، بالنظر إلى أن 2025 لم تنته بعد، ولكنه دهر على المستوى النفسي) لأطلّ عليها مثل الملاك في لوحة بول كلي، ملاك التاريخ، وأنا أطير إلى الوراء بينما أنظر إلى الأنقاض!
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
24 – نوفمبر – 2025

أضف تعليق