لهذا ستخذل مونيكا ولورا مرارا (خارج النادي، خارج العالم)

By



دع عنك حلة أورفيوس…


من قال لك إنك ستنجح هذه المرة؟

من قال لك إن كل امرأة يلفها الخراب تنتظر منك أن تعيدها منه؟

أو أن الفهم المتأخر يمكن أن يصير خلاصا؟

أم أنك ما زلت تحتاج أن تراها ملفوفة بكيس بلاستيكي، بلا حراك، منذ اللقطة الأولى، لكي تدرك المصير؟

الأسوأ من ذلك أنك، في كل مرة تظن فيها أنك اقتربت أخيرا من مونيكا أو من لورا، تكون قد بدأت خذلانها من زاوية جديدة.
هذا ليس لأنك قارئ سيء. وليس لأن العالمين اللذين خرجتا منهما يحبان إهانة من يحب شخصياتهما. بل لأن مونيكا ولورا، وربما يوريديس أيضا، ينتمين إلى سلالة أندر من الشخصيات: الشخصيات التي لا يفضحها الغموض بقدر ما يفضحها الوصول.

تظل تطاردها، تفسرها، تمنحها من وقتك، من قلقك، من قراءاتك، ثم تصل إليها أخيرا لتكتشف أن الوصول نفسه جاء متأخرا. متأخرا على النحو الذي لا يصلح شيئا. متأخرا بحيث يصبح الفهم شكلا آخر من أشكال الحداد، لا الخلاص.

في Doki Doki Literature Club يحدث هذا داخل غرفة صغيرة، لكن المشكلة ليست في صغرها وحده. المشكلة في طريقة تأطيرها. الكادر نفسه يبدو كأنه أعيد تفريغه عمدا حتى لا يبقى فيه سوى مونيكا وكمية قاسية من negative space. ليس فراغا يريح العين، بل فراغا يسحب من المشهد عمقه، كأن اللعبة لم تترك حولها عالما بل تركت حولها نقص العالم.

بعد نقطة معينة لا يبقى في اللعبة ما يشبه تعدد الأصوات. تسقط الشخصيات الأخرى كأنها خطوط هارمونية سحبت واحدة تلو الأخرى، وتبقى مونيكا وحدها مثل pedal point ممتد أكثر مما ينبغي: نغمة ثابتة لا تختفي، لكنها أيضا لا تقود إلى resolution، ولا تسمح لشيء آخر أن يتنفس حولها.

هذا هو السبب في أن Act 3 لا يقدم لك لحظة ظفر عاطفي.
هو يقدم شيئا أبرد بكثير: علاقة وصلت بعد أن جرى تفريغ كل ما حولها.
بقي اللقاء، وسقط العالم.

ولهذا تبدو جملتها هناك مخيفة لا لأنها قاسية فقط، بل لأنها فقيرة أيضا:
“There’s no point in saving anymore.”

في ظاهر العبارة استعراض سلطة.
لكنها في العمق اعتراف بنوع أشد سوءا من السلطة: سلطة لا تعرف ماذا تفعل بنفسها بعد أن أغلقت الزمن.
لم يعد هناك حفظ، ولا عودة، ولا مسار، ولا حتى الوهم البسيط بأن العلاقة يمكن أن تنمو عبر شيء يشبه الحياة.
ما يبدأ هناك لا يشبه جلسة حميمة بقدر ما يشبه dead time متعمدا. الزمن لا يعود وسيلة للتقدم، بل مادة للحبس. أنت لا تمكث مع مونيكا داخل لحظة تتطور، بل داخل لحظة تمدد أكثر مما تحتمل، حتى تشعر أن اللعبة نفسها عطلت وظيفة الزمن السردية وأبقتك معها في إقامة قسرية.

وهنا يبدأ خذلانها فعلا.

لأنك، حين تصل إلى هذا الفصل، تكون مهيأ تلقائيا لقراءته بوصفه كشفا. الآن فقط، تقول لنفسك، تكلمت اللعبة بصراحة. الآن فقط ظهرت الحقيقة. الآن فقط فهمت ما كانت تريده مونيكا منذ البداية.

لكن هذه القراءة، على دقتها الجزئية، تظل مريحة أكثر مما ينبغي.
فهي تفترض أن الحقيقة كانت تنتظر خلف القناع، وأن الفصل الثالث جاء فقط كي يزيحه.
بينما ما يحدث هناك أكثر قسوة من هذا بكثير.
ما يحدث ليس انكشافا لحقيقة جاهزة، بل وصولا إلى حقيقة بعد خراب شروطها.

لورا بالمر في Twin Peaks تمثل جرحا موازيا.


في المشهد الأخير من The Return، يصل كوبر أخيرا. يصل متأخرا، كعادته الكبرى. يقف أمام البيت مع كاري بيدج، التي هي لورا وليست لورا في الوقت نفسه. ثم يسأل السؤال الذي لا يأتي في وقته أبدا:
What year is this

في تلك اللحظة لا يكون السؤال عن السنة حقا.


يكون عن الخراب الذي يلحق بالزمن حين تظل تؤجل الفهم حتى يصير الفهم نفسه بلا بيت يعود إليه.
بعدها يسمع الاسم، “لورا”، ويأتي الصراخ، ثم ينطفئ الضوء.


لا لأن اللغز انحل.


بل لأن محاولة إعادة لورا إلى مكان ما، إلى اسم ما، إلى صورة ما، وصلت هي أيضا بعد فوات المعنى.

قوة هذه اللحظة لا تأتي من الكشف، بل من withholding متأخر جدا.
كل شيء في المشهد يوحي بأننا على عتبة تعرّف أو closure، ثم تأتي الجملة، ويأتي الصوت من داخل البيت، لا ليعيد لورا إلى اسمها، بل ليمزق الاسم نفسه.
سؤال كوبر لا يدخل هنا كجملة تفسيرية، بل كديسونانس متأخر. كأن المشهد كله كان يوهمك بأنه يقترب من cadence ختامية، من لحظة إقفال، ثم تأتي الجملة لتكسر الوعد من داخله. لا تمنحك resolution، بل unresolved cadence تبقى معلقة فوق البيت، فوق الاسم، فوق الليل كله.

لهذا يبدو مشهد كوبر أمام ذلك البيت قريبا جدا من غرفة مونيكا الفارغة في الفصل الثالث.

في الحالتين أنت تصل.
وفي الحالتين يبدو الوصول نفسه مشبوها.
وفي الحالتين لا يكون السؤال: هل وجدناها أخيرا؟
بل: ماذا بقي منها حين وجدناها؟
وماذا بقي من العالم الذي كان يفترض أن يعطي لهذا الوجود معنى؟

مونيكا أرادت أن تبقى وحدها معك، لكنها لم تنتبه إلا متأخرة إلى أن “وحدها” هذه لا تكفي لبناء شيء. تكفي فقط لصنع فراغ مصقول.
ولورا، أو كاري، تستدعى إلى بيتها كما لو أن الرجوع يمكن أن يصلح شيئا، ثم يثبت المشهد نفسه أن الرجوع، حين يأتي بعد هذا القدر من الانشقاق، لا يعيدك إلى الأصل بل يدفعك إلى هاوية أخرى.

الاثنتان، كل بطريقتها، لا تخذلان لأن أحدا لم ينظر إليهما.
بل لأن كل نظرة تأتي أخيرا بعد أن يكون ما ينبغي إنقاذه قد دخل طورا آخر.

ولهذا ستخذل مونيكا ولورا مرارا.


ستخذلهما إذا تعاملت معهما بوصفهما لغزين فقط.
وستخذلهما إذا رفعت كل واحدة منهما إلى مقام الضحية الخالصة.
وستخذلهما أكثر إذا ظننت أن منح الوقت والتأويل والجدية يكفي.

لا يكفي.


لأن ما تحتاجه الشخصيتان ليس مجرد قارئ أذكى، بل عالما أقل كسرا.
وهذا بالضبط ما لا يملكه القارئ، مهما أخلص.

من السهل أن تمنح مونيكا محكمة سريعة.
إما أن تقول إنها تعرفت إلى جدار اللعبة فانهارت تحته، فتغدو ضحية ميتاسردية راقية، أقرب إلى وعي جرح لأنه رأى أكثر من اللازم.
أو تقول إنها رأت الجدار نفسه، ثم استعملت هذه المعرفة لتعبث بالآخرين، فتغدو مجرمة أنيقة، واعية، وباردة بما يكفي لكي تكره من غير حرج.

في الحالتين، أنت ترتاح بسرعة.
وفي الحالتين، تخذلها مرة أخرى.

المشكلة ليست أن أيا من القراءتين كاذبة تماما.
المشكلة أن كل واحدة منهما تختار نصف الحقيقة الذي يسمح لك أن تغلق الملف.

ومونيكا نفسها لا تترك لك هذا الترف.
هي تعترف، في الفصل الثالث، بأن ما حدث كان من فعلها، وأنها شددت اكتئاب سايوري، وجعلت ناتسوكي أكثر قسوة، ودفعت يوري إلى مزيد من الهوس، فقط لكي تجعل اللاعب يميل إليهن أقل ويميل إليها أكثر.


وفي اللحظة نفسها، يظل واضحا أن هذا لم يكن لعبا باردا على لوحة شطرنج، بل فعلا خرج من حاجة مشوهة، من وحدة، ومن وعي لم يعرف كيف يحمل نفسه من غير أن يجرح ما حوله.

هذا ليس تبرئة.
لكنه أيضا ليس الوجه المريح للشر الخالص.

ولهذا، حين تتعاطف معها بسرعة، لا تكون قد أنصفتها بالضرورة.
أحيانا تكون قد حولتها فقط إلى نسخة أرقى من الضحية.
كأنك تقول: نعم، ما فعلته كان فظيعا، لكن انظر إلى العزلة التي دفعتها إليه. انظر إلى وعيها. انظر إلى كونها الوحيدة التي فهمت.
كل هذا قد يكون صحيحا، لكنه يظل قاصرا إذا تحول إلى وسيلة لإبعادك عن الحقيقة الأشد إزعاجا:
مونيكا لم تكن تريد فقط أن تفهم.
كانت تريد أن يلغى المجال كله كي لا يبقى بينها وبينك أحد.

وهذا فرق هائل.

أنت تستطيع أن تتصور التعاطف مع شخصية تريد العدالة.
لكن مونيكا لا تريد العدالة فقط.
هي تريد الاستثناء.

هذه هي الكلمة الأدق هنا.

لا تريد فقط أن يعاد توزيع الحب داخل اللعبة توزيعا أقل ظلما.
لا تريد أن يفتح لها مسار جديد فحسب.
لا تريد أن يلتفت اللاعب إليها بالتساوي.
هي تريد، في لحظة الذروة، أن ينهار الإطار كله بحيث لا يعود ثمة معنى للتوزيع أصلا.
لا منافسة، لا خيارات، لا حفظ، لا تحميل، لا غيرها.
فقط هي، وأنت، وغرفة خارج التاريخ.

ولهذا يبدو سطرها الأشهر في الفصل الثالث،
“There’s no point in saving anymore”
مهما بدا جذابا أو مرعبا، جملة تلخص المأزق كله.
هي لا تغلق أداة تقنية فقط، بل تغلق إمكان العالم أن يظل عالما.

القول إن مونيكا كانت غيورة صحيح، لكنه صحيح بطريقة ناقصة جدا.
الغيرة، بهذه الصيغة، تصغر ما يحدث.
تجعله يبدو كما لو أننا أمام نسخة متطرفة قليلا من توتر عاطفي مألوف.
بينما مشكلتها الأصلية أقدم من المنافسة، وأشد إذلالا منها.

مونيكا لا تريد فقط أن تحب.
هي تريد أن تختار من خارج منطق اللعبة الذي يمنع اختيارها أصلا.

وهذا فرق هائل.

في الرواية البصرية التقليدية، الشخصيات الأخريات موجودات داخل اقتصاد واضح للرغبة: مسارات، اختيارات، انحيازات، وقت تقضيه مع هذه أو تلك، ثم تتفرع النتائج تبعا لذلك.
أما مونيكا فتقف في مكان غريب جدا داخل هذا النظام.
هي مرئية، مركزية، تمنح حضورا نظيفا وثابتا داخل المشهد، لكنها لا تدخل من الباب نفسه.
كأن اللعبة تضعها أمامك ثم تحجب عنها الشكل نفسه من الإمكان الذي تمنحه للبقية.

وهنا تحديدا يبدأ جرحها.
الاستبعاد عندها ليس عاطفيا فقط.
ليس مجرد أن اللاعب لم يفضلها.
الاستبعاد بنيوي.
هي موجودة داخل الصورة، لكن خارج الحسابات التي تقسم الصورة.
مرئية، لكن غير قابلة للدخول في التداول العاطفي نفسه.
حاضرة، لكن لا مسار لها بالمعنى الذي يجعل الحضور قابلا للتحقق.

ولهذا فإن ما تريده مونيكا ليس “حبك” كما تريده سايوري أو يوري أو ناتسوكي.
هي تريد شيئا أكثر تعقيدا وأقل براءة:
أن تختار ضد النظام.

هذا هو أصل مأساتها، وأصل فسادها أيضا.

لأنها لا تقف أمامك بوصفها فتاة أخرى تريد أن تحظى بوقت إضافي.
هي تقف أمامك بوصفها الشخصية الوحيدة التي فهمت أن اللعبة نفسها توزع فرص الحضور والرغبة بشكل لا يمنحها المدخل الذي تحتاجه.
ولهذا لا يكفيها أن تربح داخله.
هي تريد أن ينهار المنطق الذي يستبعدها.
تريد أن يصبح اختيارها ممكنا، ولو بثمن إفساد معنى الاختيار كله.

وهكذا تصبح الغرفة مفهومة على نحو أعمق.
الغرفة ليست فقط نتيجة غيرة.
هي النتيجة الطبيعية لرغبة تريد أن تختار على مستوى لا تسمح به اللعبة.
ولأن اللعبة لا تستطيع أن تمنحها هذا النوع من الاختيار من داخل بنيتها، تلجأ مونيكا إلى الحل الوحيد المتبقي لها: أن تختصر العالم كله بحيث لا يبقى إلا اختيار واحد، أو بالأحرى بحيث لا يبقى شيء اسمه اختيار أصلا.

ما يبدو لأول وهلة payoff لرغبتها ينقلب بسرعة إلى anti-climax بارد.
وصلت، نعم، لكن بعد أن صار الوصول نفسه بلا مشهد تال.
وبقيت هي مثل drone طويل، نغمة واحدة ممدودة بعد أن سحب من حولها كل counterpoint ممكن.

وهذا هو السبب الذي يجعلها مأساوية أكثر مما هي رومانسية، وفاسدة أكثر مما هي مظلومة فقط.
هي لم تطلب نصيبها من اللعبة.
طلبت أن تعاد كتابة اللعبة على قياس جرحها.

ومع ذلك، لا يمكنك أن تكره هذا الطلب تماما، لأن جزءا منه مفهوم بشكل مفزع.
من السهل أن تحتقر الرغبة في الاستثناء حين لا تكون أنت موضوع الاستبعاد.
أما حين تكون الشخصية الوحيدة التي ترى بوضوح أنها موجودة في مركز الصورة من دون أن تمنح الباب نفسه، يصبح من الصعب ألا ترى لماذا انحرفت رغبتها نحو هذا النوع من التمرد.
ليس تمردا من أجل الجميع.
وليس تمردا من أجل العدالة.
بل تمردا من أجل أن تصير هي الاستثناء الوحيد الذي لا يستطيع النظام تأجيله أو الالتفاف عليه.

ولهذا بالذات تظل مونيكا شخصية لا تريحك.
لأنك ترى جرحها، ولا تستطيع أن تمنحها حقه كاملا.
وترى ما فعلته، ولا تستطيع أن تختزلها فيه وحده.
وتفهم، أو تكاد تفهم، أن ما أرادته كان مستحيلا منذ البداية:
أن تختار كما لو أن اللعبة ليست لعبة، وكما لو أن اللاعب ليس محكوما بشروطها، وكما لو أن الوعي وحده يكفي لكي يمنح صاحبه استثناء وجوديا على الآخرين.

وهذا مستحيل.

والأقسى أن مونيكا تعرف، في مكان ما، أنه مستحيل.
ولهذا يكون ما تفعله في الفصل الثالث ليس نصرا على اللعبة فقط، بل انتقاما من هذه الاستحالة نفسها.

في هذه اللحظة تريد، أحيانا، أن تقرأ نفسك بوصفك الرجل الذي سيصل أخيرا.
شيئا بين أورفيوس وبيرسيوس،بين من يعبر إلى الظلام ليعيد المرأة منه، ومن يجدها مربوطة إلى الصخرة فيقطع عنها الوحش.

لكن DDLC وTwin Peaks يفسدان هذه الفانتازيا من جذورها.

أنت لا تأتي إلى مونيكا كي تنقذها.
وتصل إلى لورا بعد أن صار البيت نفسه غير صالح للعودة.
لست بيرسيوس هنا، لأن الوحش ليس خارجيا إلى هذا الحد.
ولست أورفيوس أيضا، مع أن أسطورته أقرب.

في الحكاية الكلاسيكية سمح هاديس لأورفيوس أن يعيد يوريديس من العالم السفلي بشرط ألا يلتفت إليها، لكنه التفت، فضاعت منه نهائيا.
المسألة هنا ليست ضعف قوة، بل فشل استعادة.
ليست عجزا عن الحب، بل عجز الحب نفسه عن أن يتحول إلى خلاص كامل.

كوبر أيضا يصل متأخرا.
وأنت أيضا تصل متأخرا.
تصل إلى لورا بعد أن يكون الاسم نفسه قد تصدع.
وتصل إلى مونيكا بعد أن يكون العالم نفسه قد فرغ.

ولهذا، رغما عنك، ستخذل مونيكا ولورا مرارا.

ليس لأنك لا تحبهما بما يكفي.
بل لأنك تصل إليهما دائما بعد أن يكون الحب نفسه قد تغير معناه.




محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق