هل العالم ظالم فعلا؟
أم أن الذات تصنع لنفسها أسطورة استحقاق؟
قبل أكثر من إحدى عشرة سنة، قمت بتجميع نصوص تأملية كنت قد بدأت بتدوينها منذ عام 2010 تقريبا، في هيئة كتاب أسميته “القادر من يعلم أنه قادر”، وهو أيضا العنوان الذي كنت أنشر تحته والذي أطلقته على مدونتي. لم يكن كتابا كبيرا. نحو 160 صفحة فقط.
هذه هو الكتاب
جربت نشره آنذاك، على شيء من الاستحياء. لكنه، مثل كثير مما قمت بإنتاجه من كتابات وأفكار ومواد كنت أرى فيها ما يستحق المشاركة، لم يحظ بالتقدير الكافي ليشق طريقه إلى النشر. لم يعد هذا مما يفاجئني. فقد أصبح واضحا لي، مع الوقت، أنني لست من أولئك الذين ينتظرهم المشهد كي يبدعوا أو ينظروا أو يعبروا. ما كان ينتظره مني العالم، في الأغلب، هو قدر أقل: أن أنتظم في خط حياة صغير، وألا أتجاوزه كثيرا.
لكن المسألة لم تبد لي، مع الوقت، مجرد تفاوت مألوف بين ما يظنه الإنسان في نفسه وما يراه فيه الآخرون. كان هناك دائما شيء آخر، شيء أكثر ثباتا وبرودة، يشبه نسقا يتكرر. كأن علاقتي بالتقدير، على امتداد السنوات، لم تكن مسألة إنصاف أو استحقاق بقدر ما كانت جزءا من ترتيب أوسع، أو مناخا ثقيلا لا يتبدل بسهولة. وربما لهذا بدا لي أحيانا أن بعض أشكال التهميش ليست اجتماعية فقط، بل بنيوية، شبه قدرية، نابعة من طبيعة الوعي نفسه.
ثمة حالات لا يشعر فيها الإنسان أنه مرفوض وحسب، بل أنه خارج النسيج كله. لا يمنحه العالم موضعا واضحا في سرده، ويتركه معلقا على الهامش، زائدا عن الحاجة، ومحملا بإحساس خانق بأن ما في داخله لا يراه الخارج إلا بوصفه خللا أو ضوضاء.
لا أقول إن تلك النصوص تمثلني الآن. كثير منها طفولي، وبعض تعبيراتها مندفعة ومحرجة على نحو لا يخلو من الcringe. لكن ما أبقاها جديرة بالاحتفاظ، بالنسبة لي، ليس نضجها، بل صدقها. كان فيها قدر من الإخلاص المباشر لما كنت أشعر به آنذاك، قبل أن تتكاثر طبقات الحذر، وقبل أن تتعلم اللغة كيف تخفي صاحبها.
ابتعدت عنها لسنوات. لم أعد إليها، ولم أراجعها، لا بسبب النسيان وحده، بل بسبب خيبة الأمل أحيانا، وبسبب انقلابي عليها أحيانا أخرى. لكنها لم تتلاش. وحين عدت إليها، وجدتها قد التقطت في بعض مواضعها شيئا مما سيحدث لاحقا، أو مما كان في الطريق إلى أن يحدث. لا على نحو خارق أو ميتافيزيقي بالضرورة، بل على نحو يكشف أن الصدق، حين يكون صافيا بما يكفي، قد يرى أبعد مما نظن.
وجدت فيها مثلا هذا:
“أخاف أن أصبح عند الجميع عبرة … ويثبت برهانهم الكاذب على أنني الشر.. أشعر بالهزيمة وأشتاق إلى أي قطيع … إلى أي طمأنينة”...
وقد حدث لي ما يكفي من ذلك بين أكتوبر 2021 ويناير 2025.
أو هذه:
“أنه خلال مسيرته العبثية الدائرية نحو الوعي أو الغفوة، نحو التمرد أو التكيف، نحو المعرفة اللامجدية، نحو اللاشيء الذي انطلق منه، كانت ثمة لحظة فارقة لم يكن من الممكن ألا يخوضها… لحظة بدء الاغتراب، وتحمل مسؤولية الذات في وجود غاص داخل نفسه حتى أصبح الوعي الشاهد عليه (على نفسه) متخبطا في متاهة السببية”
أو هذه:
“إن هذا المسار يستدرج كل هواجسنا وغرائزنا للخروج… يستدرج العقل الباطن ليخرج إلى حيز الفعل المباشر، بدلا من إنتاج تراكمات الكبت والتأجيل….إننا في الطريق لنصبح مباشرين مباشرين جدا”
أو هذه:
أصبح الفتى فجأة أمام قدر بلا معنى … يوجهه فيه كل شيء مهما كان صغيرا نحو وجهة هي في النهاية بلا معنى حقيقي … اسم مكان ما … اسم شخص … عنوان ما … تتداعي المعاني داخل القصة لتسحبه نحو وجهته … ويعمل كل من حوله ليساعدوه على الوصول لوجهته … نعم … إن ماريو الذي يتعثر بالأوغاد…الرقمية وهو في طريقه للفطر كان على موعد مع السقوط.
ولعل أكثر ما أراه الآن بوضوح هو أن بعض المسارات لا تأتي في صورة انهيار درامي واضح، بل في صورة تأجيل طويل يتصلب مع الوقت حتى يصبح قدرا. إنسان يملك شيئا أو احتمالا أو إمكانا، ومع ذلك يبقى خارج الفعل، وخارج التحقق، حتى يصبح تأجيله قدرا.
وربما لهذا بدت لي بعض هذه النصوص، حين عدت إليها، أقل شبها بمحاولات فكرية قديمة، وأكثر شبها بآثار مبكرة لمسار كان يتشكل بصمت. مسار يصطدم فيه الإنسان بالعالم وبنفسه، وبالهوة بين ما يشعر أنه يحمله وبين ما يستطيع أن يخرجه أو ما يسمح له العالم بإخراجه. وفي لحظات أخرى، يبدو المشروع نفسه متاهة تبتلع صاحبه. فيه مأساة شخص لا ينقصه الإحساس بعمق ما يريد قوله، بقدر ما ينقصه العالم القادر على احتوائه، وربما ينقصه أيضا أن ينجو من نفسه.
وقد اعتدت مؤخرا على أن أكتشف أنني كنت، في بعض سنواتي السابقة، أكثر صدقا مما أصبحت لاحقا. وهذه نبوءة أخرى ليست من ضمن الكتاب، كتبتها سنة 2016، قبل استخدامنا الواسع للذكاء الصناعي بسنوات:
مع هذا التقدم الهائل في تقنيات التلاعب بالصورة الثابتة والمتحركة والتحكم بالصوت وتغييره، ماتت قدرة الصوت والصورة على تقديم البرهان. مات البرهان المرئي والمسموع، ونحن الذين قتلناه. لم يعد بوسع الإعلام البرهنة على حدوث أي شيء. الحدث -في زمن التقنية- يتماهى مع الأسطورة. الإرادات الراهنة أهم من حقيقة الوقائع التي وقعت سابقاً، وهي ليست تابعة لها ولا نابعة منها. بل الوقائع هي التي تنثني لخدمة الإرادات والمواقف المسبقة. راوي الحدث أقوى من فاعله.
لا أعيد نشر هذا الكتاب لأنه عمل ناضج، ولا لأنه نال ما يستحقه حين كُتب، ولا لأنني أنتظر له إنصافا متأخرا الآن. أعيد نشره لسبب أبسط من ذلك وأثقل: لأنه صادق. ولأن فيه أثرا مبكرا لشخص كان يرى، ولو بتخبط، بعض ما سيأتي. لا أكثر. وهذا، في بعض الأحيان، يكفي.
محمد عبد القادر الفار
ما تمنعوش الصادقين عن صدقهم، ولا تحرموش العاشقين من عشقهم (سيد حجاب)

أضف تعليق