عبد الحليم قديساً (خارج القصد، داخل التأويل)

By

سلسلة تأملات باطنية في بعض أغاني عبد الحليم حافظ الطويلة، كتبتها سنة 2016

قبض الريح، زي الهوا

لم يمرّ عليّ أعمق من “زي الهوا” في تلخيص التجربة البشرية (الهشة المدهشة القصيرة)

تفاعل الكلمة واللحن والأداء وتفاعل المستمعين صراخا وتصفيقاً، مشهد مهيب بل حضرة عظيمة. انظر الى تلخيصها لعلاقة الإنسان مع العالم، وعلاقة الإنسان مع الله، ثم علاقة الإنسان بالإنسان، ثم اكتشاف الإنسان ل”مندالة” الحياة الرملية، حين يدرك أنه لا يمسك بأي شيء يتصور أنه يقبض عليه، وإنما هو دائما “ماسك الهوا”.

لحن بليغ حمدي وإيقاعاته الراقصة وعصبيته وتمرده جاء كل منها في مكانه الصحيح ليعطي لكل كلمة صدى هائلا…

خايف..ومشيت وانا خايف.. إيدي بإيدك وانا خايف – إحالة إلى جدلية العلاقة بين الحب والخوف… تحب فتخاف أن تفقد الحب، وتعلم أن ذلك لا محالة حاصل (أحبب من شئت فإنك مفارقه) فتخاف من الحب، ثم لا تملك إلا أن تحب رغم الخوف.

وخدتني من إيدي ومشينا: هي لوحة خلق آدم لمايكل أنجلو إذ تحوّلت إلى كلمات تُغنى على لسان عبد الحليم، وصوّرت لهفة الخالد على الفاني، وفرحته به (هكذا أحب الله العالم) – دي دنيتي انت اللي مليتها، وتردّد الفاني وخوفه:

وياما قلت لك انا .. واحنا فى عز الهنا

قلت لك يا حبيبي

لا hنا قد الفرحة دية .. وحلاوة الفرحة دية

خايف لا في يوم وليلة .. مالاقيكش بين ايدٌية

تروح وتغيب .. تغيب عليٌ يا حبيبي .. يا حبيبي

..

وفي عز الكلام .. سكت الكلام – هو الخوف من الفراغ، من نهاية الكلام، من توقّف سيل اللوغوس… هو الموت أيضاً حين يأتي فيتوقّف كل شيء فجأة.


وقلتلي راجع بكرا انا راجع – هي فلسفة انتظار المخلّص – وفضلت مستني بآمالي….


وفي لحظة لقيتك يا حبيبي زي دوامة هوا – هي صورة المسيح على الصليب…وتلفّته بحثا عن المخلّص، ليتحوّل هو لاحقا إلى المخلص.


الأغنية حوار مطوّل صريح بين الفاني والخالد – إلهام أجاد التعبير عن هواجس الحب والخوف والاستمرار والنهاية والفراغ والمعنى.


هي رثاء للحقيقة العدمية المرة التي لا مناص منها مهما احتال المرء عليها بالكلام والمعاني – تطلّ كالبومة الوادعة كلّما رقّ الزجاج ورقّت الخمر (والوصف للسهروردي المقتول – الفاني الذي قتله حب الخالد)…


ولأغنية في جوهرها تناول بين الخالد والفاني – وحين كتبت وحين لحّنت وحين غنّيت – كان التناول بينهما حاضرا – خافتاً (وما رميت إذ رميت) ..


الفاني متعلّق بالدنيا كما يتعلّق الطفل الصغير برداء أمه ويخاف أن يتركها في الزحام، يخاف أن يضيع (خايف ومشيت وانا خايف)…. لا نعرف شيئا سوى هذه الحياة ولا وجودا غير هذا الوجود…. هو المعطى الوحيد

and we take it for granted?

فالتعلق نشأ قبل أن ينشأ ما يمكن أن يتعلق به الإنسان دون أن يفقده…. هو الموضوع المفقود والبحث عن المستحيل… معضلة الخلود…. دموع جلجامش المنسكبة على إنكيدو إلى الأبد – أو حتى تجفّ؟


أو كما يعبّر كامو عن ذلك بقوله: ثم جاء البشر، و أراد البشر أن يتشبثوا، لكن لم يكن هناك ما يمكن التشبث به
And then came human beings. humans wanted to cling but there was nothing to cling to

فليشهد الخالد مماتنا وولادة غيرنا، وموتهم … ولنواسي في حياتنا القصيرة ذاكرة الكون الطويلة، التي حملت عبء آلام كثيرة، وأفراح تلاشت، وجماعات تفرّقت…

ألا كل شيء ما خلا الله باطل – قبض الريح – زي الهوا

إجابة السؤال الوجودي: من غير ليه

أداة الاستفهام الأخطر هي لماذا، كون الإجابة عليها لا يمكن أن تكون صادقة تماما، ولو أمكن في الظاهر فلأن الظاهر لا يحدثك إلا بما تطيق، وأنت لا تطيق إلا القليل. أنت أجرأ من السماوات والأرض والجبال، ولكن طاقتك مسألة أخرى، فكتفك الذي حمل الأمانة لم يحملها وحده، وما رميت إذ رميت.

الحياة، العالم، الوعي، الكلام، الشيء الذي يتطفل على اللاشيء (لماذا هنالك شيء بدلا من لا شيء؟… ) كل هذا ما هو إلا حوار بين الخالد والفاني، بثّ مشترك بين ما يتكوّن ليفنى، والباقي الذي يكوّن الأشياء ويفنيها ويشهدها ويبقى…. بين من يحكمه الزمن والتغير (أنت حي إذا أنت تتغير، أنت لا تتغير إذا أنت ميت، التغيير هو علامة وجود حياة…. وبين الذي يغيّر الأشياء ….. بين من كل يوم هو في شأن، وبين شؤونه التي لا تنتهي وكلماته التي لا تنفد.

من الأغاني الرائعة التي فيها بث خافت من الفاني إلى الخالد أغنية تقول “لا أريد أن أعرف” I don t want to know

عتاب من فان عابر أصابه الحزن لانشغال الخالد بفان جديد، بينما هو قد أصبح قديما…. الخالد لا يصيبه القدم، وهو شاب أبداً، يشكّل الفاني طفلا ويحيله شيخا ويودّعه ليستقبل غيره….

He s done it before
فعلها سابقا…. وسيفعلها مراراً …

أما العبقرية التي لا تضاهى فهي عبقرية مرسي جميل عزيز حين سأل السؤال الوجودي بكل براءة:

جايين الدنيا ما نعرف ليه

ولا رايحين فين ولا عايزين ايــــه

وأجاب نفسه:

زي ما رمشك خذ ليالـيّ وحكم وامر فيها وفـيَ

ولقيت بيتي بعد الغربة وقلبك ده وعيونـــك ديّ

ولقيت روحي في أحضان قلبك

بحلم واصحى واعيش على حبك

حتى فى عز عذابي بحبك عارف ليه .. من غير ليـــه

….

من السؤال الوجودي إلى غزل بالحبيب؟

ألم يكن السؤال (جايين الدنيا ما نعرف ليه؟)

كيف تحوّل إلى رمش الحبيبة الذي حكم وتحكّم…

لا جواب سوى الشغف… لماذا هنالك شيء بدلا من لا شيء؟

هو شغف الخالد بالفاني…شغفه الذي جعله يورّط الفاني بحياة سريعة تنسحب منه رغم أنفه وتجعله يصاب بحزن فراق كل ما يحبه تدريجيا…

جرب الانتقال في صيغة توحيد الخالد من “لا إله إلا هو” إلى “لا إله إلا أنت”…

ما أعظم كلمة “أنت” حين ولدت، وفرضت نفسها على الوحدة، وسرقت الواحد من حرية عزلته إلى قيود شغفه بال”آخر”…. الله الله على الآخر، على فرصة وجود آخر، ولو كان يتشكل ليفنى

الله الله على فان يحبّ الخالد…. إنها المعجزة….

إن طبيعة الخالد أن يعشق الفاني… أما الفاني، فكيف يحبّ الخالد؟ إنه لغز حله في التذوق، ومن ذاق عرف، من عرف اغترف.

لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، لأنني كنت من الفانين، وأنت تكون وستكون الخالد الوحيد، تشكلنا وتشكل غيرنا، وتتحسر علينا (يا حسرة على العباد) بينما ننام نحن هانئين مطمئنين منسحبين إلى ظلل الغمام، وأمنة النعاس، ودفء السكينة.

ألا كل ما خلاك باطل، وأنا أوّل الباطل، باطلٌ محضٌ في وجودي، باطل يثير الشغف والإعجاب والشفقة…..ألا سلمت يداك… ولترحم من عاشوا وماتوا، من أتوا ومن سيأتون…. هم السابقون ونحن اللاحقون ونحن السابقون وهم اللاحقون


عارف كل الخوف من بكره ده ليه يا حبيبـي

عارف سر عذابي وحيرتي ده ايه يا حبيبــي

علشان انت الروح فى الدنيا اللى بعيش فيها

وانا من غيرك كل حياتي تضيع بعديهـــا

وزي ما جينا جيناومش بإدينا جينـــا

زي ما رمشك خذ لياليّ وحكم وامر فيها وفـــيَ

ولقيت بيتي بعد الغربة وقلبك ده وعيونــك ديّ

ولقيت روحي فأحضان البك بحلم واصحى واعيش على حبك

حتى فى عز عذابي بحبك عارف ليه .. من غير ليـــه

حاول تفتكرني: تحدي الفاني للخالد

بكثير من الصدق والمبالاة يواجه محمد حقائق هذه الحياة العجيبة، ومحمد هذه المرة هو محمد حمزة، الذي نطقت كلماته على مقامات صاحب الحمد البليغ، وبصوت الحليم العبد، في مناسبات عديدة، أحدها حوار الفاني مع الخالد في أغنية “حاول تفتكرني” وتحديه الساخر المتألم العاشق حتى لفظ الأنفاس الأخيرة بأن يدوم ذكره عند الذي لا يموت ولا تتبدد أناه.

ولا أقصد أن أفتئت على الحمزة المحمد إذ أقوم بتأويل ما يكتبه على هواي، فله قصده مما كتب، ولعله قصد ظاهره: حوار فان عاشق لفان. ولا أقصد حتى تحرير نصّه من سلطة كاتبه، ولا من تفاعلات ملحنه ولا من انفعالات مؤدّيه، بل أقصد تلقّي ما أسمع كما يمكن أن يكون، أو لعلّه كان، في لحظات تناول الفاني والخالد عبر زجاجهما الرقيق، وعلى غفلة من الفاني، أو كما قال شيخنا السهروردي:

رق الزجاج ورقت الخمر
وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر

حاول تفتكرني، تحدٍّ يليق بمقام الخالد الرفّيع، يبدأ بالحديث عن النفس “أنا”: أنا اللي طول عمري بصدق كلام الصبر في المواويل، ثم يبدأ حواره مع المخاطَب الخالد “أنت”، مع لازمة “هو” التي يتشاكل فيها الأمر فلا نعرف من هو الغائب الذي “سافر من غير وداع”، هل هو الخالد أم الفاني، في هذه اللازمة، ويصعب الأمر أكثر في اللازمة حين تنطق بضمير “نحن”: ومنين نجيب الصبر يا اهل الله يداوينا….؟ من الذي يتمنى الصبر على فراق الآخر؟ الفاني ام الخالد؟

يبدأ الفاني بالاعتراف بأن إيمانه في علاقته بالخالد قد بدأ يتزعزع :

أنا اللي طول عمري بصدق كلام الصبر في المواويل
وانا اللي طول عمري بقول الحب عمره طويل
من كتر ما كان الحب واخدنا
وكل حلاوة الدنيا في إيدنا
لا فكرنا زمان يعاندنا
ولا ايام تقدر تبعدنا
وعشنا الحب بالأيام
وكل بكرا فيه أحلام
“”واتاري كل ده اوهام””…

وهنا تأتي اللازمة شديدة الوطء، غامضة الضمائر:

وسافر من غير وداع
فات في قلبي جراحه
دبت في ليل السهر
والعيون ما ارتاحوا
و منين نجيب الصبر يااهل الله يداوينا؟
اللي انكوى بالحب قبلينا يقول لينا…………….
وسافر من غير وداع…

ولعل الخالد سأل: ومنين نجيب الصبر يا اهل الله يداوينا (على فراق الفاني)
فأجابه الفاني: تسأل من وأنت الخالد، فأنت الأحرى بأن تجيب “اللي انكوى بالحب قبلينا يقول لينا”

ثم يبدأ الحوار مع الخالد:

يتحدث أحدهما:

حبيبى…
والله لسه حبيبي…
والله وحبيبى
مهما تنسى حبيبي…
والله وحبيبى
عمري ما انسى حبيبي…
والله وحبيبي

الفاني:

ابقى افتكرني….. حاول تفتكرني


أحدهما، ولعله الخالد:

بعدنا بعدنا ليه؟ تعبنا!
قول قول قول من ايه؟
من الشك يا عيني؟
من كلمه قالوها علي؟
من الغيره يا عيني؟
الغيره ياما عملت في.
حبيبى… مهما شوقى يطول يا حبيبى…
حافضل اقول يا حبيبى…

الفاني:

ابقى افتكرنى… حاول تفتكرني..
ولو مريت في طريق مشينا مره فيه
أو عديت في مكان كان لينا ذكرى فيه
ابقى افتكرني… حاول تفتكرني…

أحدهما، ولعله الخالد:

دى ليالى عشناها
ابداً مش حنساها
على بالى يا حبيبى
على بالى ايام وليالي
على بالى ليل ونهار
وانت على بالي….

الحديث عن ألم البعد يحتمل أن يكون من الفاني أو من الخالد، فالخالد يتألم من فراق الفاني عند فنائه، والفاني يتألم خلال حياته القصيرة من احتجاب الخالد ويشعر في لحظات كثيرة بأنه تركه.

أحدهما:

من الليالي الليالي من بعدك واللى جرالي
سهرنى الشوق دوقني الشوق طعم الحرمان في الليالي
ياما ايام ضاعت يا سلام
في عذاب وآلام سهران ما بنام
قضيت الليل مع قمر الليل ونجوم الليل نحكي في كلام.
ياما قلت عنك وغلبت شكوى منك
وحياه الغالي عندك…

أحدهما:

تعال… تعال… تعال… تعال… تعال…
خلي الشمس مع ابتسامتنا تطلع وتنور دنيتنا.
تعال… تعال… تعال… تعال… تعال…

أحدهما، هل هو الخالد؟؟:
ليه نقول ان الفراق مكتوب علينا والحياه قدامنا؟
ليه نسلم نفسنا لليأس ونقول انظلمنا؟ ليه نقول انظلمنا؟
تعال… تعال… تعال… تعال… تعال…
خلي الدنيا تشوف فرحتنا.
خلى الدنيا تقول حكايتنا
تعال… تعال… تعال… تعال… تعال…

أحدهما:

ياللي وانت بعيد معايا نفسى يوم تسمع ندايا


أحدهما:

وان ماقدرتش تيجى تانى
ونسيت زمانى ونسيت مكاني…
ابقى افتكرني

ويبقى السؤال الغامض:

هل تحدّث الخالد خلال كل ذلك الحوار، أم كان مستمعا فقط؟

Posted In ,

أضف تعليق