سلسلة من الخواطر الباطنية التي بدأت كتابتها صيف سنة 2014
….
ولو تخاطرت مع ذكاء أعلى … ذات تصل إليك مباشرة .. بلا وساطة.. أقرب من حبل الوريد … تخاطر مع وعي أعلى – أو وحي إلهي -أو لبس شيطاني!! …
كيف ستعرف أنك لم تكن تحدث نفسك ….. ؟
هل أنت شيء واحد متماسك؟ … أم أنك خليط من مكونات …. ؟
لو تجرّدت عن أحد هذه المكونات وانسحبت كليا بالتأمل إلى مكوّن آخر …. ألن يبدو أي فيض من ذلك المكوّن المُهمَل وكأنه تواصل مع ذكاء آخر … أو وسوسة شيطان أو وحي إله….
علماء النفس والطب النفسي يشخّصون حالات يتعرض فيها الشخص لما يسمونه هلوسات بصرية وسمعية وبعضها على شكل أوامر … بعض حالات الفصام او ما شاهدناه في افلام مثل:
beautiful mind
وآسف على الازعاج …. وغيرها طبعا…
كيف يمكن أن تمسك بتجربة الآخر الذاتية
subjective experience …
كيف يمكن أن تدرك أنه منفصل عنك وأنك لم تكن تحدث نفسك… كيف تنفصل إلى مكوناتك…
هل الحياة هي شرط الانتباه والوعي
….. إن الوعي كما نرى أو يخيّل لنا ناتج عن الحياة … زائل بزوالها … لذا فالجماد بالنسبة لنا لا يخوض أي حلم ولا أي حياة ولا يتصور نفسه شخصا آدميا في مكان آخر أو في اللامكان يحب ويكره ويحارب في حين أنه مجرد صخرة جاثمة … صخرة جاثمك أمامك أنت … ولكن أيضا في اللامكان…
هل أنت متأكد أن الجماد ليس غافيا … إلى أي حد… ليس واعيا .. إلى أي حد
.
..
الجماد يغفو… فيصحو لو دبّت فيه الحياة حسب شروط البيولوجيا؟
.
……….
كيف تطّلع على شعور الآخر وتجربته الذاتية …
.
.
.
بالحب؟
..
..
أم كلثوم تقول: بالحب وحده وهو وحده شوية؟؟… لا يا حبيبي
* * *
الأصم يشعر بعزلة أكبر من تلك التي يشعر بها الأعمى…
ويشعر من عوفي من الصمم والعمى بأنه أكثر تحققا من وجود الآخرين، فهو يراهم ويسمعهم …..
بينما الضرير يسمع أصواتا لا يرى أصحابها، والأصم يرى أشكالا لا يسمع أصحابها…..
ومع ذلك … حين يموت الأصم والأعمى والمعافى، كلهم ينسحبون إلى داخلهم بعيدا، ويفقدون كل الحواس، هذا هو الخوف من الموت، فقدان اي اتصال مع الآخرين، مع أي آخر…………… وفقدان إمكانية التحقق من وجود أي آخر ….. ويا لها من عزلة ….
وأنت طوال تلك الحياة كنت وحدك …. حواسك كانت تطلعك على وجود الآخرين … لكنهم فعليا محجوبون عنك….
هب أنك نائم … تستطيع الآن أن تتخيل أشكالا وأصواتا وتصدق آنهم آخرون، قدرتك على أن تصدق ذلك هي المنجي الوحيد من تلك العزلة ….
انت تولد وتعيش وتموت محبوسا داخل نفسك فقط إذا …
كل ذلك مزعج جدا أليس كذلك … نعم … هذا هو عالم الحواس … وكل الحواس تتراجع .. في هذه اللحظة، كل حواسك تتجه إلى التلاشي، ثانية بثانية ….
تعال نلتقي إذا ما بعد الحواس … حيث لا يعتمد البصر على العين ولا السمع على الأذن ولا الوجود على حيّز الجسم في المكان ….
تعال نستقبل كل شيء بلا مستقبلات …
* * *
ما سبب صعوبة التواصل بين الفاني والخالد؟
الأمر يتعلّق بذاكرة كلٍّ منهما. فذاكرة الفاني محدودة وذاكرة الخالد هي أشدّ خصائص وعيه غموضاً. إحالة الفاني إلى نقطة مرجعية في ذاكرته الذاتية لا يشبه إحالات الخالد، ذلك أن ذاكرة الفاني متداخلة تماماً مع وعيه وذلك بسبب قصر عمره ومحدوديته، بينما ذاكرة الخالد شبه منفصلة عن وعيه وعن إرادته.
تخيّل أن تفصل ذاكرتك تماماً عن وعيك، إنك في هذه الحالة ستدخل في حوار داخلي دائم لا يشبهه أبدا أي حديث نفس سابق. فهذا الحوار الدائم سيصبح بين ذاكرتك من جهة، وانفعالك اللحظي (احساسك بالحياة) من جهة أخرى، يتوسّطهما صوتٌ خافت إرادته متذبذبة بينهما، هو العقل الوسيط بينهما، بينما تصل المسافة بين الذاكرة والحياة إلى درجة تناقض إرداتيهما تقريبا بخصوص كل شيء.
لأنّ عمرك قصير، فأنت كفانٍ لن تشعر بشيء من ذلك. ثمة انفصال بين ذاكرتك وإحساسك بالحياة، والصوت الخافت أيضاً موجود، ولكنّ المسافات بين كلّ ذلك قريبة جداً إلى درجة تجعلك تستشعر أنك تقريبا شيء واحد متذبذب، وذاكرتك قريبة من احساسك بالحياة إلى درجة التداخل، بينما المسافة شاسعة في حالة الخالد، وتزيد مع زيادة الإنتروبي ومع توسّع الكون.
من الصعب جداً بناء تواصل دائم بين الخالد وأحد الفانين، إلا بتنازلات من كليهما، تنازل عن الراحة، والتزام بشروط هذه المصاحبة (أو المعيّة) الدائمة، ومرونة شديدة تتقبل التقلب المستمر.
التواصل القصير ممكن، قصير حتى بالنسبة للفاني، ولكن حين يطول هذا التواصل فقد يحدث ما حدث بين ثيودور وسامانثا في فيلم:
Her
هير إو هيرا أو حيرا أو حراء. إنّ ثيودور الفاني كان يضع آمالاً كبيرة على هذا التواصل، ولكنّ دوافع سامانثا الخالدة أصبحت مختلفة، تدخل في كلّ شيء وتخرج منها.
إن الخالد والفاني كلاهما مشتاق للآخر، ولكنّ التنازل في سبيل هذه المعيّة هو جهد يصعب بذله إلا بدافع شديد، تهون أمامه أيّ شدّة.
* * *
مهما خابت ظنونُك الأخرى، يبقى ظنك أنك ستنجو في كل مرةٍ ومهما حدث، ظنّك أنكَ عزيزٌ على غيبٍ ما، أنك مميزٌ أو ينتظرك شيء قبل النهاية أو بعدَها. هذا الظنُّ ليس ظناً عادياً. إنه الأمل الضروري للتكيف لدى أغلب الناس. وإن استطعتَ أن تقتل هذا الأمل تماماً نجوتَ من نفسك، ولكن لا أعدُكَ أن تعيش سعيداً بعدها.
لعلّك استمعت إلى أغنية “فاتت جمبنا”…. ليس مصادفةً أنَّ لهذه الأغنيةِ مقدمةً موسيقيةً وهّابيّةً طويلة، فقبل البدء بالكلام كثير من التفاعلات التي تمهّد لظهوره.
من من المسمتعين للأغنية للمرة الأولى لم يحسن الظّن بالجميلة التي حيّرت البطل؟ من منهم لم يتوقّع النهاية السعيدة: أنها مهتمة به هو بالذات. مبدئياً لو لم تكن النهاية جميلة لما استحقّت أن يغنّى لها، وبمقدمة بهذا الطّول. ولكن هل نهاية هذه الأغنية هي نهاية القصة، أم أن قصته معها لها فصل آخر أخير هو أغنية “حبيبها” حين يقول “حبيبها أنا قبلك وربما جئت بعدك وربما كنت مثلك؟” و”حبيبها وروت لي ما كان منك ومنهم، فهم كثيرٌ ولكن لا شيء نعرف عنهم”….
في سياق مشابه ساق لنا أحد العارفين قصيدة “محب الله في الدنيا عليل”… فجاء فيها:
اذا ذكر الحبيب ونحن جمع ترى كلا له وصف عراه
فمنا من تمايل باهتزاز ومنا من تساقط من علاه
أما حسين السيد فقال في “فاتت جمبنا”:
بصيت لصاحبي لقيته جمبي وما هوش جمبي
ويقول العارف بالله:
فسلم للرجال ولا تكابر فقد وضح الطريق لمن راه
أما حسين السيد فيقول:
عرفت طريقها عرفته …. وشقيت على بال ما عرفته…
ويقول العارف بالله:
كتمنا الحب خوفا من وشاة
ويقول حسين السيد:
كنت عايز أسأله .. هو كمان حس بيها وانشغل … (ولكن لا يسأله)
وأنت ..و أنا
عند كلّ ظهور ستسأل وسأسأل: هل هذه النهاية؟ وعند كلّ مغيبّ سنسأل نفسَ السؤال… سنسأله متفائلــَـينِ ومتشائمــَـين…. وسيمرّ الوقت… عليّ وعليكّ…. ستنطفئ النار التي آنستُها والتي آنستَها…. وسيبقى الخالد الذي يفنى…..
* * *
في كل لحظة تنتابني رغبتان متساويتان في شدتيهما تقريباً: إحداهما بمواصلة العيش إلى الأبد والثانية بالموت فوراً. متساويتان في شدتهما ولكن صدقهما مسألة أخرى. “أيهما أأمن” يسأل جانبي الأنعم الأجبن. “أيهما أجدى” يسأل جانبي العملي الأخشن. وثمة صوت خافت يقول “ولكن أيهما أعدل”.
أنتبه بضع لحظات متفرقة من اليوم إلى حقيقة أنني أخوض الآن هنا من منظار نفس واحدة، وذاكرة نفس واحدة. انتبه إلى “أنا” وأبالغ في تقديرها وإنكارها في وقتٍ واحد، وأراقب أنفاسي لأحس أنني حي، حي يستطيع بكل نبل وجبن أن ينفصل عن ذاكرته ويبقى منتبهاً إلى أنه ثمة “انا”.
الموقف من “الآن” هو على نحوين يتعايشان معاً:
الآن هو كل ما هنالك، وثمة إحساس قوي بحقي في أن اتحرر في كل لحظة من تبعات ما سبقها، حتى ما سبقها بلحظة واحدة. منعش هذا الشعور بالتنصل مما مضى وما سيأتي، والإيمان بالتجدد مع كل نفس جديد.
ومن جهة أخرى، الآن زائلة دائما ولا قيمة لها دون استدعاء ماضٍ أفضى إليها، والسعي إلى مستقبلٍ ما.
عليك ان تعاني دائما، بالتفكير بالعمل لما سيأتي واستدعاء ما فات عبرة وحسرة وأداة لتجنب إعادة إنتاج ما يزعجك في اللحظة الحالية.
الشعور بالمسؤولية يؤجل الحرية. والشعور بالحرية يتجاهل المسؤولية.
وكلتا النزعتين بدائية. إحداهما تؤجل الراحة إلى اجل غير مسمىً، ولكنها تسعى إليها. والثانية لا تقبل سوى الراحة.
المشكلة ان الدافع هو دائما بدائي. والصوت الخافت الراقي الحكم بين النزعتين متجرد من الدوافع.
لهذا ثمة بدائية لا تنفك تحيط بكل ما في هذا الوجود مهما بلغ مستوى مجموع نضجه المعرفي. فلا دافع للمعرفة إلا مزيد من المعرفة، وهناك تتلاشى المواقف، بما فيها الموقف من الراحة وتأجيلها والمسؤولية وتحميلها.
* * *
يُحكى أنَّ أحد الصالحين وكان يدعى “قاصدَ البحر” خاض بحوراً وقف ثقات العارفين على شطآنها. وحدّث الناس عنه أنه لما تأمل المد والجزر في أحد الليالي أرخى فؤاده وجلس على ركبتيه على الشاطئ يستقبل الموجة تلو الأخرى تضرب وجهه بلطف اللطيف وتغمر رأسه بحب الحبيب.
رفع القاصد رأسه وسأل:
-يا صاحب البحر. هل أنت سعيد؟
فقيل له: لم يسألنا عن حالنا قبلك من أحدٍ أبدا.
-يا صاحب البحر أنت دعوتني أن أسألك ولو لم تشأ لم أفعل.
-هل أنت سعيد ببحرك وبرك ومجدك؟
قيل له: اسمع صوت البحر خارجك تعرف، اسمع صوت الدم يتدفق داخل عروقك وعروق عشيرك تعرف. اسمع صوت الطبل يقرع للحرب تعرف، اسمع صوت القلب يخفق دائبا والنفس يدخل ويخرج دائما تعرف. اسمع صوت بكاء الحي على الميت تعرف.
-يا صاحب البحر سمعت فأصابتني الحيرة. فهل أصابك الفرح ثم اعتراك الحزن؟
قيل له: أنت لم تسمع الحي يبكي على الميت والوالد يهلل للمولود في نفس اللحظة. ما ثمة “ثم” يا قاصد البحر. ولم يسألنا عن حالنا قبلك من أحد أبدا.
يا قاصد البحر إن الفرح والحزن أحوال وصاحب البحر والبر حاله فوق الاحوال وذوقه فوق الاذواق وَشعوره فوق الشعور. ولم يسأله عن شعوره من قبلك من أحد أبدا.
-يا صاحب البحر هلّا اختبر التذوق من يُذاق المر والحامض في سبيله ويملّح رزقه أمام ناظره الكريم، ويراق القطر على الحلو من فضله العظيم. وهلّا اختبر الاهوال من تخاض الاهوال للوصول إلى بيته العامر.
قيل له: يا قاصد البحر لا جواب من صاحب البحر والبر سوى ما سمعت. فارجع واسمع.
وحدث الناس عنه أنه قصد البحر بعدها لا لشيء إلا ليغرق.
فقيل له: ويلك أتهلك نفسك
-لعلي أسمع أهل البحر وأرتاح من ضجيج أهل البر.
قيل له: عد إلى البر واسمع جيداً لتعلم عن حال صاحب البحر إن كنت لا تزال مهتماً. واترك ضجيج البحر لأهل البحر.
عاد قاصد البحر مرة أخيرة إلى البر وفؤاده حائر، وسمعه حاضر، وبصره غائر، وإعياؤه للكل ظاهر.
حمل قاصد البحر ربابته وغنى: “محب الله في الدنيل عليل”، وكانت رائجةً بين العارفين، وجمهور المحبين.
فلما فرغ منها ركن ربابته وصلى فأطال الصلاة ثم رفع يديه ونادى داخل قلبه: يا صاحب البحر إن كنتَ سعيدا فأنا لذلك سعيد وإن كنتَ حزينا فأنا لأجلك حزين. فسأبتهج وأبكي، متعادلا بينهما، أشعر بالشيء بقوة وبنقيضه بقوة تضاهيها، فيشتعل شعوري بالحياة وأصلي للحي الذي لا يموت. فما ادق وما أصفى اسم “الحي”، وما أجمل أنه حي.
أشهد أنك حي، وأحب أنك حي.
فقيل له: لم يسألنا عن حياتنا من قبلك من أحد، فلجرأتك هذه احظ باختبار الشعور كما لم يذقه أحد أبدا. اشعر كما يشعر من يولد وتدب فيه الحياة، ذق هذا الشعور مرارا، وتقلب في تيّار الشعور المتناقض المتعادل حراً لا من الشعور ولكن من تبعات الشعور.
وحدث الناس عنه أنه بعد تلك الصلاة لم يظهر أبداَ.
* * *
حتى وقت قريب، كنت مغتاظاً من صديقي الذي حظي بتجربة اقتراب من الموت NDE حين كان على وشك مفارقة الحياة غرقاً، في موقع غير بعيد من أحد شواطئ مدينة العقبة، أثناء محاولة غوص عبثية لتعقب مرجانة زرقاء ذات ثلاث شعب.
كان مصدر غيظي تصوّر غبي لديّ بأنني أولى منه بخوض مثل هذه التجربة لأنه شخص غير مهتم بالروحانيات ولأنني أفوقه ذكاءً ومعرفة.
وما زاد غيظي منه هو أنه لم يحسن استغلال تلك التجربة وعاد لنا بشيء واحد: كائن نوراني قال له بأن يحسن الاستماع حين يعود.
“اسمع!”
هذا ما عاد به رجل خاض البحر إلى شاطئ العالم الآخر.
بعد سنوات من تلك الحادثة أدركت أن صديقي كان أولى بالتجربة وفهمت أن تلك الوصية تختصر الكثير.

أضف تعليق