واصل اللعب (خارج الغاية، داخل الرحلة)

By



كان هايدغر يرى أن الوجود يبدأ حين يجد الإنسان نفسه “مُلقىً في العالم”، يختبر المكان لا بوصفه خلفيةً للزمن، بل شرطا له.

كايل ماكلاكلان في دور العميل كوبر، توين بيكس

الألعاب الرقمية، بطريقةٍ ما، تبدو أكثر أشكال هذا “الإلقاء” نقاءً: أن تُرمى في عالم لا تعرف قوانينه، ثم تتعلم كيف تسكنه.

مارشيلو ماستروياني في فيلم الغريب (رواية كامو)

كل مرحلة (Level) في اللعبة هي “عبور”. ولا أتحدث هنا عن عبور المكان فحسب، بل عبور الوعي وهو يتعلّم أن يتنفس داخل نظامٍ جديد من القوانين. وبهذا المنطق يصبح تصميم المراحل (Level Design) هو فنّ ترتيب هذا التحول: كيف ينتقل اللاعب من الجهل إلى الفهم، من الخوف إلى التآلف، من التردد إلى الإيقاع. هو ليس هندسةً لمسار، بل هندسةٌ للّحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه تغيّر من دون أن يلاحظ.

ويليام\Man in black من مسلسل ويست وورلد

في البداية، يتحرك اللاعب كما يتحرك الكائن في يومه الأول: يلمس الجدران، يختبر الأرض، يتعلم بالمحاولة والخطأ. كل خطوةٍ هي فرضية عن طبيعة العالم، وكل سقوطٍ هو درس في الماهية. ثم شيئاً فشيئاً، يصبح المكان نفسه امتداداً للذات. الممرّ الذي كان تهديدا يتحول إلى ذاكرة، والمنعطف الذي ضيّعك يصبح علامة طريق.

من لعبة Journey

العبور هنا ليس انتقالاً من مستوى إلى آخر، بل عملية تكوينٍ مستمرة، كأن اللعبة تعيد تشكيل اللاعب كما يعيد النهر تشكيل الحصى. في Dark Souls، يكون العبور موتا متكررا يُنقّي الإرادة. في Journey طقس نضوجٍ صامت نحو ضوء بعيد. وفي The Witness، عبور في الإدراك ذاته، حين يصبح السؤال: هل أنظر إلى العالم، أم أن العالم ينظر من خلالي؟

من لعبة The Witness

من منظورٍ أعمق، تصميم المراحل (Level Design) يشبه بناء طقس عبور. في الأساطير القديمة، كان المريد يدخل المعبد عبر سلسلة غرف متتابعة: كل واحدة تُعلّمه قانونا جديدا للوجود، وكل خروجٍ منها يشبه موتا صغيرا. في المسرح الإغريقي أيضا، كان الفعل التراجيدي لا يقوم على الحدث وحده، بل على الإيقاع الشعائري الذي يعيد ترتيب الوعي الجمعي للمشاهدين. اللعبة الحديثة، على نحوٍ خفي، تُعيد إنتاج هذا الإرث ذاته: تُدخل اللاعب في طقسٍ مقنَّعٍ بلُغة اللعب.

ألغاز إليوسينيان

كل مرحلة في اللعبة هي غرفة من معبدٍ رقميّ، تُختبر فيها القدرة على الفهم لا المهارة فقط. تصميم المراحل هنا ليس ترفيها، بل تجربة تهيئة initiation تُعيد صياغة علاقتك بالقوانين، بالزمان، وبالخطأ ذاته. حتى واجهة اللعبة (Interface) تشبه بوّابة معمارية للطقس؛ هي العتبة التي تفصل بين العالمين: عالم الواقع الذي تُمسكه بيديك، والعالم الداخلي الذي يعيد تشكيلك وأنت تمسك بذراع التحكّم.

طقس البدء initiation الماسوني

لهذا، حين تعبر من Level إلى آخر، لا تنتقل بين خرائط، بل بين حالات وعي. اللعبة تصبح مسرحا متحركا، ويصبح اللاعب ممثلا ومتفرجا في آنٍ واحد، والDesigner هو الكاهن الذي ينسّق الضوء والإيقاع والاختبار، ليعيد عبرها خلقك من جديد لا كجسد في اللعبة، بل كإدراكٍ خارجَها.

من لعبة Dark Souls

في إحدى أكثر لحظات الوعي حدّة في Black Mirror: Bandersnatch، يقف كولن ريتمان أمام ستيفان ليقول:
“People think there’s one reality, but there’s loads of them, all snaking off like roots… Time is a construct.”
(يظن الناس أن هناك واقعا واحدا، لكن هناك عوالم كثيرة تتشعّب كالجذور. ما الزمن إلا تصوّرٌ ذهني)

كولن ريتمان، بلاك ميرور

لم يكن ريتمان يشرح لعبة فحسب، بل يصف ميتافيزيقا الوجود نفسه كما تُعاد صياغتها في الكود. ريتمان، المبرمج الذي بدا كأنه يفقد اتزانه، كان في الحقيقة يرى النظام بأكمله من فوق، ككاهنٍ أدرك أن الواقع ليس سوى تصميم مراحل (Level Design) عملاق، تُبنى فيه كل احتمالاتنا وتُضبط مسبقا داخل شبكةٍ من المسارات المتفرعة.

اسمه نفسه Rit-man يكاد يكون تصريحا رمزيا: رجل الطقس. هو الذي يعرف بنية العبور لكنه يرفض عبادتها. يرى اللاعب لا كمتحكم بل ككائن يختبر معنى أن يُعاد تشكيله داخل لعبةٍ لا مفرّ منها. كل مرحلة، كل خيار، كل إعادة تشغيل، ليست إلا طقسا لإعادة التكوين. اللعبة تمنحك لحظة سيطرة رمزية، ثم تسلبها منك لتذكّرك أنك داخل نظامٍ مغلق.

في نظر ريتمان، اللعب هو الطقس المعاصر للوجود. الcontroller هو مسبحة الحداثة، والLevel ليس خريطة بل معبدًا تُختبَر فيه الحرية.

ثمة يد لا تُرى في كل لعبة، تُرتّب الفوضى بقدرٍ محسوب، وتُحرك الأشياء كما لو كانت تترك لنا هامش صدفةٍ نختبر فيه الحرية. هي اليد التي ترسم القوانين وتنسحب، التي تبني الغرفة وتختفي داخل ظلّها. لا نعرفها، لكننا نشعر بها. تصميم المراحل (Level Design) يشبه حضور هذه اليد: لا تظهر في النص، لكنها تحكم الإيقاع، تُقرّر متى نضلّ الطريق ومتى يُكافئنا الضوء.

شخصية روبرت دالي في بلاك ميرور

اللاعب يظن أنه يسير بمحض إرادته، لكن الفضاء كلّه خريطة مسبقة لرحلته. كل حركة محسوبة، كل التباسٍ مقصود. حتى لحظات الضياع جزء من التكوين، مثل الغبش الذي يتخلّل الحلم ليذكّرك أنه ليس واقعا. وراء كل جدارٍ سقطت أمامه، هناك من قرّر أن تسقط هناك تحديدا، لتتعلم شيئا لا يمكن تلقينه.

في أعمق صورها، اللعبة ليست تجربة ترفيهية بل تمرين على الوعي داخل نظام مغلق يُخفي نفسه بإتقان. المصمم ليس خالقا، بل شاهدا على الخلق، يدير فوضى رمزية كي يتيح للّاعب أن يرى ما لم يُقل.

كان فيلسوف اللغة لودفيغ فيتغنشتاين، الذي رأى أن التفكير نفسه لا يحدث خارج حدود اللغة، يقول:”حدود لغتي هي حدود عالمي.” هذا لا ينطبق فقط على اللغة المنطوقة، بل على كل نظام إدراك نتعامل معه كما لو كان العالم. والألعاب، بهذا المعنى، تخلق لغتها الخاصة. فكل مستوى (Level) فيها هو جملةٌ في نحوٍ جديد، كل حركةٍ هي صيغةٌ لفعلٍ لم يكن ممكنا قبلها.

اللاعب لا يتكلم داخل اللعبة، بل يتعلّم كيف يفكر بها.

تصميم المراحل (Level Design) إذا ليس هندسة للمكان، بل هندسة للعقل وهو يتعلّم لغة هذا المكان.

وعند النقطة التي تنتهي فيها اللغة وتبدأ الحسابات، نفهم ما ذهب إليه عالم الرياضيات والفيزيائي جون فون نيومان، أحد مؤسسي نظرية الألعاب، حين اعتبر أن “الحياة نفسها ليست سوى لعبة معلومات ناقصة”.

فالمصمم يعرف كل القوانين، أما اللاعب فيتحرك داخل ضباب من المعرفة الجزئية، مثل كائنٍ يتلمّس حدوده داخل نظامٍ أكبر منه. وهكذا يصبح اللعب اختبارا فلسفيا لرد فعل الإنسان حين يُترك في عالمٍ محسوب عليه بالكامل، لكنه لا يرى معادلاته.

جون فون نيومان

ولهذا بدت الشطرنج دائما النموذج الأقدم والأصدق للعالم المحسوب. فهي ليست لعبة في حد ذاتها، بل محاكاة صغيرة للوعي داخل نظامٍ مغلقٍ بثمانية مربعات في ثمانية مربعات، حيث كل حركة تفتح احتمالا وتغلق آخر.

وفيها تتجلى فلسفة الLevel Design قبل أن تولد الألعاب الرقمية: قوانين محدودة، احتمالات لا نهائية، عبورٌ من موقعٍ إلى آخر عبر فهم الإيقاع الخفي للنظام.

كان بوبي فيشر يرى أن الشطرنج ليست عن الفوز، بل عن الوصول إلى انسجام مطلق بين العقل والاحتمال. كان يتعامل مع الرقعة ككونٍ صغيرٍ منضبط، لا مجال فيه للعشوائية، كأنّها الطريقة الأكثر صفاءً لاختبار التفكير البشري في صورته النقية.

بوبي فيشر

لكن حين دخل الذكاء الاصطناعي إلى الرقعة، تبدّل ميزان الإدراك نفسه: عام 1997، حين واجه كاسباروف الحاسوب “ديب بلو”، لم يكن الصراع بين بشرٍ وآلةٍ فقط، بل بين الوعي والاحتمال، بين الحدس والتكرار. فالآلة لا تلعب، بل تحسب. والإنسان لا يحسب، بل يشعر بمعنى الحركة قبل أن ينفذها.

كاسباروف يخسر أمام ديب بلو

الشطرنج في هذا السياق ليست لعبة ذكاء، بل طقس وعيٍ رياضيّ. إنها التصميم الأسبق لفكرة اللعب كاختبار وجودي، والنسخة النقية من كل ما حاولت الألعاب اللاحقة أن تكونه. فيها نرى ما سيحدث لاحقًا في عوالم الAI والـLevel Design:
الإنسان يحاول أن يتجاوز حدود القوانين التي صُممت له، بينما الخوارزمية تحافظ على هندسة العالم كما هي بلا عاطفة، بلا شكّ، بلا خطأ.

ومن الرقعة إلى الشاشة، لم يكن التطور قفزة تقنية بقدر ما كان تبدّلا في طبيعة الإدراك نفسه.

في السبعينيات، حين ظهرت Pong على شاشةٍ سوداء بخطين ونقطة، لم يكن اللاعب يرى لعبة، بل معادلةً تتحرك.

ثم جاءت Tetris لتعلّمنا لأول مرة معنى “الزمن المساحي” وكيف يمكن للفضاء أن ينهار إن لم نفكر بسرعة كافية.

في Super Mario، وُلد الخطّ الأفقيّ الأول للحكاية: العالم صار طريقا، واللاعب صار جسدا.

وفي Myst (1993)، توقّف كل شيء للحظة: الزمن سكن الصورة، والمكان صار لغزا تأمليا أكثر منه تحدّيا، كأن اللعبة اكتشفت فجأة أن الصمت أيضا شكلٌ من اللعب.

بهذا المعنى، تحوّل اللاعب من مفكّرٍ على رقعةٍ إلى كائنٍ يتحرك داخل كونٍ مصنوعٍ من الضوء.

والتحوّل لم يكن تقنيا فقط، بل معرفيا: من الفكر إلى الإدراك، من النظر إلى العبور. فكل لعبة بعد ذلك كانت محاولتنا لفهم كيف يتحرك الوعي داخل الفراغ الذي صنعه بنفسه.

في عمق كل لعبة، هناك محرّك لا يراه أحد: Unreal، Unity، Frostbite، CryEngine. وهي أسماء تبدو تقنية، لكنها في حقيقتها مدارس للفكر، لكل منها طريقتها في فهم العالم.

هذه المحرّكات لا تنتج صورا، بل قوانين للظهور: كيف يسقط الضوء، كيف تتنفس المسافة، كيف يُقاس الزمن داخل الإطار. والمصمم فيها يشبه المعماري، لكنه يبني من مواد غير مرئية: منطق، ضوء، صوت، وكتلة رقمية تتنفس بفضل الفيزياء الافتراضية.

الDeveloper هنا ليس صانعا للعالم فحسب، بل لمبدأ الوجود فيه. هو الذي يقرّر كيف يتفاعل الجسد مع الجاذبية، وكيف ينعكس الضوء.

هكذا تولد الفيزياء الافتراضية كفنٍّ إدراكيّ: Gravity تُعاد كتابتها، Collision تُهندس كقصيدة رياضية، والShader يصبح أداة سرد بصرية.

كل قيمةٍ رقمية في الكود حتى 0.01 يمكن أن تغيّر الإحساس بالزمن أو بالمسافة.

صناعة الألعاب ليست عن الخيال، بل عن دقّة الواقع: كيف نصنع واقعا ثانيا يبدو طبيعيا بما يكفي ليكشف لنا هشاشة الواقع الأول.

ولهذا تبدو الألعاب اليوم أقرب إلى مختبرات فينومينولوجية: تجارب مصمّمة لاختبار حدود الإدراك، وقياس المسافة بين ما نراه وما نؤمن أنه حقيقي.

ولعل السينما كانت دائما النسخة الأولى من هذا المختبر الإدراكي. فما فعله تاركوفسكي في Stalker لا يبتعد كثيرا عما يفعله مصمم المراحل اليوم: المنطقة المحرّمة هناك ليست مكانا، بل وعيٌ موقوتٌ بالزمن، كل خطوةٍ فيها تهديدٌ بالانكشاف. المكان يدرّب البطل على الإصغاء إلى نفسه كما يتدرّب اللاعب على الإصغاء إلى اللعبة.

أنطونيوني بدوره صمّم الصمت كما تُصمَّم مساحة خالية في لعبةٍ حديثة. في L’Avventura أو Red Desert يصبح الفراغ حدثا، والإيقاع البصريّ تمرينا على الوحدة والانتظار.

أما بيلا تار، فبنى عوالمه على زمنٍ لزجٍ يسيل ببطءٍ متعمّد، كأنه يُعيد صياغة معنى التقدّم نفسه. كل لقطة عنده Level كامل، تُعلّمك السير داخل السكون، لا الهروب منه.

في هؤلاء المخرجين، كما في المصممين الكبار، يتحوّل الفضاء إلى بنية شعورية. واللقطة عندهم لا تُرى، بل تُعاش؛ تماما كما لا يُلعب المستوى بل يُختبر.

وهكذا يتقاطع الفنّان والمبرمج في فعلٍ واحد: خلق تجربةٍ لا تُفسَّر بالكلمات، بل تُفهَم بالجسد.

في لحظةٍ ما، يدرك اللاعب أن ما يراه ليس “خريطة” بل معمار وعي. لذا فإن تصميم المراحل (Level Design) لا يختلف كثيرا عن العمارة في جوهرها: كلاهما يوجّه الحركة كي ينتج المعنى.

المعماري يستخدم الجدار والنور والمقياس ليقود الجسد داخل تجربة مكانية، ومصمم المراحل يفعل الأمر ذاته، لكن داخل عقل رقمي. والفرق الوحيد هو أن مادة المعماري هي الحجر، ومادة المصمم هي الإدراك.

الlevel ليس سطحا يُمشى عليه، بل تسلسل إدراكيّ مدروس، حيث كل ممرٍّ هو جملة، وكل فتحة ضوء فاصلة، وكل انحدارٍ هو نغمة في لحنٍ مكاني مقصود.

في لحظة العبور بين الغرف يحدث ما نراه في العمارة من إعادة معايرة الإدراك. واللعبة الذكية تعرف كيف تستخدم هذا التحوّل لتخلق لحظةً من الإدهاش الخالص: لحظة يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج، بين السيطرة والاستسلام.

كما يقول الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي في Phenomenology of Perception:
“I am not in front of my body, I am in my body, or rather I am my body.”
(أنا لست أمام جسدي، بل أنا في جسدي، أو بالأحرى أنا جسدي.)

فالإنسان لا يختبر العالم بعينيه فقط، بل بحركته فيه. الجسد ليس أداة معرفة، بل هو المعرفة نفسها في شكلٍ محسوس. وفي اللعبة، هذا المفهوم يأخذ بعده الأوضح: فكل فهمٍ للفضاء يمرّ عبر الإصبع الذي يضغط زرا، أو الجسد الذي يتعلّم الإيقاع الحركي للمكان.

اللاعب لا يراقب البيئة بل يسكنها، وكأنها تمتد داخله كما يمتد فيها.

إنها علاقة تكافلية بين الجسد والمكان، بين الحسّ والتفكير، حيث الإدراك ليس نتيجة، بل فعلٌ مستمرّ في التشكّل.

الزمن في اللعبة لا يُقاس بالساعات، بل بالإدراك. وفي الLevel الجيد، لا تشعر بأنك تتحرك إلى الأمام، بل بأن الزمن ينطوي حولك مثل قماشٍ يُعاد طيّه مع كل خطوة. المكان لا يمرّ، بل يعيد نفسه بصيغٍ جديدة. هذا هو سرّ تصميم المراحل (Level Design): أنه لا يصنع فضاء بقدر ما يصوغ إيقاعا زمنيا.

المعماري حين يوزّع الضوء يعرف أنه لا يوزّع الفوتونات، بل الدقائق. كل ظلٍّ هو لحظة، وكل فتحةٍ في الجدار طريقةٌ لقياس مرور الوقت عبر إحساس الجسد.

في اللعبة، يقوم المصمم بالفعل نفسه: يصنع زمنا محسوسا من خلال الحركة، من خلال الانتظار، من خلال التكرار. والزمن يصبح مادّة قابلة للتمدد والانكماش مثل مطرقة تُبطئ سقوطها كي تمنحك وقتا للتفكير، أو مثل باب يُفتح ببطء كي يعلّمك الترقّب.

في Journey، الطريق إلى الجبل هو تمرين في الزمن البطيء، في التقدّم الذي يقيس نفسه بالتأمل لا بالمسافة.

وفي Dark Souls، الزمن حلقةٌ مغلقة تعيد خلقك كلما متّ، وكل دورة موت تُعيدك إلى نقطة البداية، لكن بعينٍ مختلفة.

الزمن هنا ليس نهرا بل دائرة، وكل عبورٍ فيها هو عودة.

هكذا يتحول تصميم المرحلة إلى صياغة حسّية للزمن، وكأن اللعبة تقول إننا لا نعيش الوقت، بل نبنيه جدارا فوق جدار، خطوة فوق خطوة، إلى أن نصل إلى لحظةٍ ندرك فيها أن الزمن نفسه كان جزءا من التصميم.

في لحظةٍ ما، يتوقّف الزمن عن العمل.

ليس لأن اللعبة انتهت، بل لأن الوعي بلغ نقطة التشبّع. عند هذه اللحظة، يُصبح اللعب تجربة خارج الإيقاع، حالةً من اللازمن، كأن العقل دخل في تردّدٍ ثابتٍ مع النظام. اللاعب لا يتقدّم ولا يعود؛ إنه معلّق بين الحركتين، في سكونٍ لا يُرى إلا داخله.

هذه اللحظات لا تُبرمج، بل تُستحضر. في The Witness مثلا، حين تنغلق الدائرة الأخيرة من اللغز، تشعر أن العالم يصمت كي يسمعك.

وفي Death Stranding، حين تمشي وحدك بين الضباب والمطر، يتوقف الزمن الخارجي ويبدأ زمنٌ آخر، ليس في الشاشة، بل فيك.

اللازمنية هنا ليست غياب الوقت، بل وفرةٌ منه. إنها اللحظة التي يتساوى فيها الداخل والخارج، فيصير المكان زمنا، والزمن مكانا.

ربما هذه هي ذروة الـLevel Design: أن يُخفي الزمن داخل هندسةٍ للانخطاف، أن يجعل اللاعب يعيش التجربة لا بوصفها سلسلة من الأحداث، بل كحدثٍ واحدٍ ممتدٍّ بلا بداية ولا نهاية.

NieR: Automata

عند هذه النقطة، لا تعود اللعبة لعبةً، بل حالة وعيٍ كاملة، معمارٌ إدراكيّ يدرّبنا على رؤية العالم كما لو أنه مستوى آخر ينتظر أن نُكمله.

وأحيانا، تبقى الموسيقى المصاحبة للعبة عالقة في الجسد كأنها تواصل العزف فينا حتى بعد أن تتوقّف اللعبة. أثناء قيادتي لسيارتي أشغل بانتقال عشوائي playlsit طويلة تحتوي أشكالا مختلفة جدا من الموسيقى. قد تنتقل فجأة من البيانو المينيمالي لإيريك ساتي إلى ريغي لبوب مارلي. ولكن الانتقال الأشد هو حين تبدأ فجأة موسيقى Super Mario أو Sonic the Hedgehog.
شيءٌ في تلك النوتات، لعله الإيقاع، التكرار، الانتظار قبل القفزة، يعيدني إلى لحظةٍ لا زمن لها، حيث كانت الموسيقى تملي عليّ كيف أفكر، وكيف أتحرك، وكيف أتنفّس. إنها ليست حنينا، بل عودةٌ إلى نظامٍ إدراكيّ كامل، إلى طريقةٍ محددةٍ في فهم العالم عبر الصوت والحركة.

الدماغ لا يفرّق بين الموسيقى التي ترافق الفعل والموسيقى التي تذكّره بالفعل؛ كلاهما يستدعي حالة تركيزٍ خاصة تُسمّى في علم النفس Flow State، حالة الانغماس الكامل في المهمة، حيث يختفي الإحساس بالزمن.

الموسيقى في الألعاب ليست تزيينا، بل هندسةٌ عاطفية للوعي. فهي التي تضبط معدل نبض اللاعب، وتقرّر متى يتوتر ومتى يهدأ، مثل Time Signature خفيّ يتحكم في التنفس.

في ألعاب مثل The Legend of Zelda أو Journey، لا يمكن فصل اللحن عن المشهد؛ النغمة هي الجدار الصوتي للفراغ، والtempo هو هندسة اللحظة.
حتى الصمت فيها ليس غيابا، بل نغمة سالبة تُبنى عليها العودة إلى الحركة.

الـcomposer في الألعاب الحديثة يعمل كمهندسٍ للزمن أكثر من كملحّن. وفي برمجيات الصوت الديناميكي مثل FMOD أو Wwise، تُكتب الموسيقى لتتغيّر في اللحظة نفسها التي يتغيّر فيها وعي اللاعب. كل لحنٍ يتفرّع كمسارٍ بديل للزمن.

إنه نوعٌ جديد من التصميم، حيث الإحساس الإنساني يُبرمج بدقة، ويُقاس مثل الضوء أو الظل.

ربما لهذا أحببت تلك الألحان القديمة، ليست لأنها بسيطة، بل لأنها تربطني بزمنٍ كان واضحا: فكل نغمة كانت تعني قفزة، كل تسارعٍ كان وعدا بالمخاطرة، كل نهاية لحنٍ كانت خلاصا مؤقتا.

هي موسيقى لم تصاحب طفولتي فحسب، بل علّمتني معنى الإيقاع الداخلي، و أن الزمن يمكن أن يكون لعبةً أيضا، وأننا حين نلعب، نحن في الحقيقة نُدرّب وعينا على السمع.

الشيء ذاته ينطبق على السرد في الألعاب: فالحكاية لا تُروى بالكلمات، بل تُبنى من خلال الإيقاع ذاته. كل مشهدٍ في اللعبة أشبه بنوتةٍ داخل لحنٍ سرديّ طويل، تُدار فيه العواطف بالحركة لا بالحوارات.

وهنا يبدأ عمل المصمم كمؤلفٍ صامتٍ للحكاية: يزرع العلامات، يخبّئ التلميحات، ويعزف بالإضاءة والظلّ بدلاً من اللغة.

في الألعاب الحديثة، لم يعد السرد منفصلًا عن اللعب، بل مندمجا فيه، يُعلّمك من خلال التجربة نفسها.

هذا ما يُسمّى في نظريات التصميم Diegetic Tutorialization أي أن التعلّم يحدث داخل العالم نفسه، لا عبر شاشةٍ خارجية.

وربما لن يقول لك أحد “اقفز”، ولكن الطريق ذاته سيُجبرك أن تتعلّم القفز.

لا أحد يشرح لك “المخاطرة”، بل يضعك أمام ممرٍّ قصيرٍ وخطر يقابله طريقٌ أطول وآمن، فتفهم غريزيًا ما تعنيه Risk vs Reward.

هكذا يتعلّم اللاعب كما يتعلّم الإنسان في الحياة: من التجربة لا من النصيحة.

أما المفهوم الأجمل فهو “الطريق يُعلّمك” حيث لا وجود لدليلٍ أو معلم، بل لفتات بصرية صغيرة: صخرةٌ مائلة تشير إلى الاتجاه الصحيح، شعاعُ ضوءٍ بعيد، أو صوتُ ماءٍ يدلّك على الخروج.

هذه هي تقنية Environmental Storytelling حين يتكلم المكان نفسه، لا كخلفية، بل كشاهدٍ صامتٍ على ما جرى فيه.

كل مشهدٍ في لعبة ذكية هو حكاية مضغوطة في التفاصيل: كرسيٌّ مقلوب، كوبٌ مكسور، دمعةُ ضوءٍ على الحائطK تماما كما في الفيلم الغريب Donnie Darko، حين تصبح عبارة “Cellar Door” “باب القبو” استعارةً عن العبور غير المرئي نحو وعيٍ آخر.

الطريق لا يُشار إليه بالكلمات، بل يُهمَس لك من بين الشقوق، كأن اللغة نفسها فتحةٌ في الجدار.

لذا فإن الStoryboarding في الألعاب يشبه المخطط المعماريّ للرواية. ليس ترتيبا للمشاهد فقط، بل بناءٌ للإيقاع العاطفيّ للحركة. من غرفةٍ ضيّقة إلى ساحةٍ منفتحة، من توتّرٍ إلى انفراج، من هدنةٍ قصيرة قبل قتالٍ كبير.

تلك هي موسيقى المكان، المعادل البصريّ للTime Signature في الموسيقى، حيث تُكتب الانفعالات كما تُكتب النوتات.

وحين نتحدث عن هذا القدر من التشكيل بين الضوء والصوت والحركة يمكننا استدعاء تجربة لينش في Twin Peak وهو عمل تلفزيونيّ تجاوز التلفزيون ذاته، حتى صار أقرب إلى سينما تُبثّ على هيئة حلم طويل.

في عالم Twin Peaks الذي صنعه ديفيد لينش، لا يوجد زمن بالمعنى الذي نعرفه.

حين يدخل العميل كوبر الBlack Lodge، ذلك الممر المكسوّ بستائر حمراء ومرايا لا تنتهي، لا يعبر مكانا بل وعياً آخر.

هناك، تتكلم الكائنات بالعكس، ويتكسّر المنطق مثل زجاجٍ مبلّل بالحلم.

اللودج ليس جحيماً ولا خلاصاً، بل فضاء اختبارٍ إدراكيّ، حيث يتقاطع الداخل والخارج، والذات تنظر إلى نفسها من خلال مرآةٍ لا تعترف بالزمن.

كوبر في هذه اللحظة يشبه اللاعب حين يعلَق داخل مستوى لا يعرف كيف بدأه. يتكرر الحدث بأشكالٍ مختلفة، وتتوالى الرموز كأنها اختباراتٌ لتذكّره بحقيقته الأولى.

ذلك هو العبور الأكثر تعقيداً: أن تخرج من المكان لتجد نفسك في وعيك عنه، أن تكتشف أن المرحلة التالية ليست مكانا جديدا، بل إعادة تركيبٍ لنفسك داخل اللعبة ذاتها.

حين خرج كوبر من الBlack Lodge، لم يخرج بشخصه القديم، بل بوعيٍ خاوٍ، كأنه أُلقي في العالم من جديد. لا يعرف القوانين، ولا اللغة، ولا الزمن الذي مرّ. إنه التجسيد الحيّ لفكرة هايدغر عن الإنسان الملقى في العالم: كائنٌ يبدأ من الصفر داخل نظامٍ لم يصمّمه، يحاول فقط أن يتذكّر كيف يكون.

في المقابل، يبدو عالم Squid Game كصورة اجتماعية متطرفة للفكرة ذاتها. فاللاعبون هناك لا يبحثون عن وعي، بل عن نجاة، ومع ذلك يخضعون لنظام مغلق لا يختلف كثيرا عن هندسة أي Level: حدود واضحة، قوانين صارمة، مراقبة شاملة.

كل اختبارٍ مرحلة، وكل مرحلةٍ عبورٌ رمزيّ، لكن من دون وعدٍ بالخلاص.

وكأن اللعبة في نهاية الأمر لا تجرّب مهارة الجسد، بل تقيس ما تبقى من إنسانية داخل نظامٍ صُمّم لتقليصها.

في النهاية، لا أحد يخرج من اللعبة كما دخلها. تماما كما لم يخرج كوبر من اللودج، ولا أولئك الذين عبروا الممرات في Squid Game.

العبور الحقيقي ليس بين المستويات، بل بين حالات الوعي.

وحين يكتمل الLevel الأخير، لا يحدث الختام بل الانكشاف: أن تدرك أن ما كنت تبنيه في اللعبة كان صورةً مصغّرة لما يبنيه العالم فيك.

في تلك اللحظة، نفهم أن اللعب لم يكن تسلية، بل تمرينا على النجاة من وهم السيطرة، وأن أجمل المراحل، دائما، هي التي لا تُعاد.


محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق